تقارير

الشهادة السودانية 2026 تحت وطأة الحرب .. تفوّق قديم للبنات وصعود جديد للمدارس الخاصة

مشاوير - تقرير : مجدي علي

لم تأتِ نتيجة الشهادة السودانية للعام 2026 في سياق تعليمي عادي. فوراء الأرقام طلاب بدّلوا مدنهم ومدارسهم، وأسر أعادت ترتيب حياتها حول النزوح، ومؤسّسات تعليمية فقدت استقرارها أو انتقلت إلى أماكن أخرى، فيما امتدت مراكز الامتحانات إلى خارج البلاد. لذلك تبدو النتيجة أقرب إلى سجلّ للتحوّلات التي أصابت التعليم السوداني خلال سنوات الحرب.

نسبة النجاح التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم الوطنية بـ69.6% في المسار الأكاديمي، قد تبدو رقماً ضمن دورة امتحانية أخرى، غير أن ما يحيط بها يطرح أسئلة أوسع: من تمكّن من الوصول إلى الامتحان؟ وأي المدارس استطاعت الاحتفاظ بموقعها في قوائم التفوق؟ وكيف أعادت الحرب توزيع فرص التعليم؟

وفي قراءة أكثر تفاؤلاً للمشهد، اعتبر وزير التربية والتعليم أن زيادة أعداد الطلاب الجالسين للامتحان مقارنة بالسنوات الماضية تمثّل مؤشّراً على عودة قدر من الحياة الطبيعية واتساع فرص الوصول إلى التعليم رغم ظروف الحرب. لكن هذا المؤشّر يأتي داخل واقع ما تزال فيه خريطة التعليم متأثّرة بالنزوح وتبدّل أماكن الدراسة، وهو ما يجعل التعافي متفاوتاً.

غير أن مؤشرات التعافي هذه لا تلغي المفارقات التي أحاطت بإعلان النتيجة نفسه؛ إذ تولّى أحد البنوك المحلية، المعروف بإخفاقات متكرّرة في خدماته الرقمية، رعاية المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة. ثم ظهرت مفارقة أخرى عند محاولة الوصول إلى النتيجة؛ إذ يتطلّب الاطلاع عليها دفع رسوم وإجراء تحويلاً مالياً، في واقعة نادرة، طالب ينتظر ثمرة عام دراسي كامل، ليجد نفسه مطالباً بدفع مقابل لمعرفة ما إذا كان قد نجح أم أخفق.

تفوّق البنات يتجدّد

تصدّرت الطالبات المشهد للعام الثاني على التوالي، ببلوغ نسبة نجاح البنات 70.5% مقابل 67.9% للبنين؛ فمن أصل 345,985 طالبة تقدّمن للامتحان، نجحت 244,029، مقابل 201,809 طلاب نجح منهم 136,956.

وفي القمة، حلّت الطالبة تقى النور محمد النور بنسبة 97.7%، محقّقة المركز الأول، غير أن لحظة تفوّقها لم تخلُ من أثر الحرب، إذ حالت الظروف دون مشاركة والدها فرحة النجاح وحلّت الطالبة إسراء سعيد أحمد سعيد من كسلا ثانية بنسبة 97.6%. لتتصدّر القائمة أسماء طالبات خضن عاماً غير مستقر، لكن التعليم واصل طريقه معهن.

المدارس الخاصة تهزم الحكومية

كشفت قوائم التفوق تحوّلاً في خريطة المؤسّسات؛ إذ ضمّت مدارس أبو ذر الكودة الخاصة 51 طالباً وطالبة من قائمة المائة الأوائل، فيما تراجع حضور مدارس حكومية عريقة اعتادت صدارة المشهد، بعدما دفعتها الحرب إلى ظروف قاسية من التعطيل والنزوح.

وفي المقابل، وفّرت مؤسّسات خاصة استقراراً أكبر، ووسّع بعضها نشاطه إلى القاهرة لاستيعاب الطلاب النازحين، وهو ما منحها قدرة أكبر على مواصلة العملية التعليمية.

ويفتح هذا التحوّل نقاشاً حول علاقة التفوّق بالبيئة التي تنتجه؛ فحين تتفاوت قدرة المؤسّسات على توفير المعلمين والاستقرار، لا تعود المنافسة بين الطلاب منفصلة عن المدارس. ومن هنا برز الجدل حول استقطاب المتفوقين وتجميعهم في مؤسّسات بعينها، ويطرح ذلك سؤالاً أوسع: هل ما نراه خريطة تفوّق فقط، أم خريطة فرص أُتيحت لبعض الطلاب دون غيرهم؟

الغائبون عن الامتحان

بعيداً عن قوائم الأوائل، هناك من لم يصل إلى قاعة الامتحان أصلاً؛ فالحرب والنزوح وتعطّل المدارس جعلت الوصول إلى الامتحان تجربة غير متاحة للجميع بالقدر نفسه.

وفي المقابل، اتسعت خريطة الامتحانات خارج السودان، إذ جرت في 84 مركزاً خارجياً موزّعة على 17 دولة، وبلغت نسبة النجاح العامة في هذه المراكز 67.9%، في صورة تعكس كيف أعادت الحرب رسم خريطة التعليم السوداني حتى خارج حدوده. وتكشف هذه المراكز كذلك اتساع حضور الطلاب السودانيين خارج البلاد، وقدرة التعليم على مواصلة مساره رغم النزوح.

أما من وصلوا إلى قاعات الامتحان، فقد واجهوا انقطاعات للكهرباء والمياه، ونزوحاً، وإصابات بالأمراض، واضطرابات أمنية. لذلك لم تكن النتيجة لكثير من الأسر مجرد درجة، وإنما خاتمة عام نجح أبناؤها في عبوره رغم ما أحاط به من اضطراب.

ثم إن فرحة الشهادة سرعان ما ستصطدم بمعركة جديدة تبدأ مع القبول الجامعي والفرص والرسوم، خصوصاً مع احتساب رسوم القبول لدى بعض المؤسّسات بما يعادلها بالدولار، في وقت تتراجع فيه مقدرات الأسر. فقد ينجح الطالب في الشهادة، ليجد نفسه أمام امتحان آخر لا تقيسه ورقة الإجابة.. هل تقدر أسرته على تكلفة مواصلة التعليم؟

تكشف نتيجة الشهادة السودانية 2026 أكثر من ترتيب للناجحين؛ فهي تظهر تفوقاً نسائياً لافتاً، وتحوّلاً في حضور المؤسّسات التعليمية، واتساعاً في قدرة النظام على إيصال الامتحان إلى الطلاب خارج البلاد، وفي الوقت نفسه تكشف أعداداً لم تصل إلى قاعات الامتحان وآخرين حالت الظروف دون تفوّقهم.

وبين هذه المستويات، تبدو الحرب وقد غيّرت شروط الوصول إلى التعليم والاستمرار فيه، حتى أصبحت الشهادة محطّة للنجاح، بينما تظل مواصلة الطريق بعدها اختباراً آخر للطلاب وأسرهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع