مقالات

عودة الحرب في إثيوبيا : تحالف الخصوم واختبار مركز السلطة

عبد الجليل سليمان

دخل الصراع الإثيوبي، منذ الأربعاء 23 سبتمبر/ أيلول، مرحلة أكثر خطورة مع انتقال المواجهة في تيغراي من التوتر والاشتباكات المحدودة إلى قتال واسع امتد إلى إقيلميّ أمهرة وعفر؛ حيثُ فرضت قوات دفاع تيغراي سيطرتها على مطارات مقلي وأكسوم وشيري، فيما توقفت الرحلات الجوية إلى المطارات الثلاثة.

و كانت مصادر أمنية إثيوبية أكدت في وقت سابق، توقف الرحلات إلى لاليبيلا بسبب المعارك القريبة منها. ووصف مسؤول في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) التطورات بأنها «حرب كاملة»، في حين اتهمت الحكومة الفِدرالية الجبهة ببدء الهجوم. وبذلك لم يعد تحالف الجماعات المسلحة السبع مجرد إعلان ؛ دُفِع به إلى وسائل الإعلام في 20 سبتمبر/ أيلول من أجل الدعاية السياسية، فقد تبعته خلال أيام تحركات عسكرية واسعة على الأرض.

وفي أحدث تطور ميداني، أشارت معلومات صادرة عن مشروع بيانات وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) أنّ اشتباكات 24 سبتمبر/ أيلول على حدود تيغراي–عفر وفي عدة مناطق من أمهرة ما تزال مستمرة وإن كانت بشكلٍ متقطّع، بينها غازغيبيلا في واغ حُمرا، وغيدان ولاستا ورايا كوبو في شمال وولو. وتقول المنظمة إنّ القوات الفدرالية الإثيوبية وقوات السلام في تيغراي وشرطة أمهرة وميليشيات محلية؛ تقاتل بجانب قوات فانو الأمهرية وقوات دفاع تيغراي. كما أفادت مصادرها بفتح جبهة جديدة في غرب تيغراي (ولغايت) على نهر تكازي (أتبرا).

الرصاصة الأولى

تُقدِّم السرديتان المتنافستان صورة مختلفة عن بداية التصعيد، وفيما أكدّت قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أنّ القوات الفِدرالية شنت هجوماً واسعاً باستخدام القوات البرية والمدرعات والطائرات المسيّرة، وإن قواتها تحركت في إطار دفاعي مضاد، نفى مسؤولون مرتبطون بالحكومة ذلك، واتهموا الجبهة بالتمرد و شن هجوم منظم على الجيش الفِدرالي الذي أعلن من جهته أنه صدّ هجمات من قبل المتمردين في أمهرة. وتيغراي وأنه قتل 272 من مقاتلي الجبهة وأصاب 260 آخرين خلال هجوم مضاد في شمال منطقة وولو؛ غير أن وكالة الصحافة الفرنسية أكدت أنه لم يتسن حتى الآن التحقق من هذه الأرقام بصورة مستقلة، كما لم يقدم الجيش الإثيوبي أرقاماً لخسائره أو الخسائر التي لحقت بالمدنيين.

تحالف الخصوم

يضم «تحالف القوى الشعبية من أجل البقاء» سبع فصائل هي : الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، حركة فانو الوطنية الأمهرية، جيش تحرير أورومو، الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين (الصومال)، جبهة الوحدة الديمقراطية الثورية العفرية، جبهة تحرير شعب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعب غوموز. وأعلنت هذه القوى هدفاً مشتركاً يتمثل في إسقاط حكومة حزب الازدهار وتهيئة الطريق أمام إدارة انتقالية. ويكتسب الإعلان وزنه من تشكليته التي ضمت حركات مسلحة ذات قواعد اجتماعية وإقليمية مختلفة، بينها من كانوا حتى وقت قريب خصوماً مباشرين في الحرب الأهلية السابقة.

وتتمثل أبرز التحولات الراهنة في التقارب بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وحركة فانو الأمهرية. حيث قاتلت الأخيرة إلى جانب الجيش الفدرالي ضد قوات دفاع تيغراي في حرب 2020–2022، قبل أن تتحول إلى مواجهة حليفها منذ 2023.

وفي السياق تقول (ACLED) إن قوات دفاع تيغراي وقوات حركة فانو خاضتا معاً اشتباكات في جبهة (كوبو–توموكا) وعلى خطوط أخرى من الحدود بين إقليمي تيغراي وأمهرة. وهذا لا يعني أن الحركتين اندمجتا في قوة عسكرية واحدة، لكنه يكشف أن العداء للحكومة الفدرالية أصبح قادراً على تجاوز بعض الخصومات التي وسمت الحرب السابقة.

لكن الاتفاق على الخصم لا يعني الاتفاق على ما يترتب عن ذلك في المستقبل. فالجبهة تنطلق من تاريخ طويل في النضال والنزال و الحكم والنفوذ أيضاً ، بينما تتبنّى فانو أجندة قومية أمهرية ومطالب إقليمية مختلفة، أما جيش تحرير أورومو فيتحرك ضمن مشروع قومي أورومي. وكذلك بقية أطراف التحالف التي تطرح مطالب مرتبطة بأقاليمها وبعلاقتها بالمركز.

وكانت (رويترز) أشارت إلى استمرار الانقسامات بين أعضاء التحالف حول قضايا السيادة على الأرض والرؤى السياسة، رغم اتفاقهم على مواجهة حكومة آبي أحمد.

اتساع الحرب

المشكلة التي ستواجه الحكومة المركزية في أديس أبابا ليست مجرد ظهور قوة عسكرية متحالفة جديدة، وإنما احتمال انضواء مسارح الحرب ظلت تعمل منفصلة تحت قيادة مركزية موحدة، ففي أمهرة تقاتل القوات الفدرالية فانو منذ سنوات، وفي أوروميا يستمر تمرد جيش تحرير أورومو، بينما عادت جبهة تيغراي إلى المواجهة المفتوحة.

وتقول (ACLED) إن البيئة الأمنية الإثيوبية كانت أصلاً تتشكل من ثلاثة مسارات رئيسية: تمرد فانو في أمهرة، وتمرد جيش تحرير أورومو في أوروميا، والتوتر المتصاعد بين مركزية الجبهة التيغرانية (وياني) والحكومة الأقلمية في تيغراي؛ وبالتالي فإنّ بروز التحالف الجديد يعتبر محاولة متقدمة لوضع هذه الأزمات داخل إطار سياسي واحد.

وتظهر أهمية ذلك في إعادة توزيع القوات الفدرالية. فقد خلصت مجموعة الدراسات الأمريكية لمكافحة التهديدات التابعة لمعهد أمريكان إنتربرايز (CTP/AEI) في تقييمات سابقة إلى أن ضغط فانو أجبر الجيش الفدرالي على إعادة نشر جزء من قواته بين أمهرة وتيغراي، وأن فانو استفادت من تحركات هذه القوات باتجاه الشمال فاستولت على مواقع وطرق مهمة. وفي مايو/ أيار المنصرم، أشارت المجموعة إلى أن عمليات فانو العسكرية استطاعت تقيدي قدرة الحكومة المركزية على تركيز مواردها على تيغراي.

والآن أصبح هذا العامل أكثر وضوحاً. فالمعارك الجديدة لا تجري في تيغراي وحده؛ بل تمتد إلى أمهرة وعفر، بينما تظل أوروميا مسرحاً مستقلاً للنشاط المسلح. ولا يعني ذلك أن التحالف يمتلك غرفة عمليات موحدة أو قيادة عسكرية مشتركة، لكنه يرفع عدد الملفات التي يتعين على الحكومة مراقبتها والتعامل معها في وقت واحد.

مركز السلطة

في المقابل، لا تزال الحكومة الفدرالية تملك عناصر قوة يصعب تجاهلها. فالجيش الإثيوبي يمتلك هيكل قيادة مركزي، وقوة جوية وطائرات مسيّرة وقدرات لوجستية وتسليحية أكبر بكثير بما هو متوفر للفصائل المتمردة مُجتمعة. وقد نشر الجيش الفدرالي بالفعل قوات ومعدات ثقيلة في شمال إثيوبيا، فيما استخدم الطائرات المسيّرة خلال الأشهر السابقة لضرب مواقع وقيادات مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وتشير (ACLED) إلى أن الجبهة عزّزت بدورها انتشارها في جنوب تيغراي منذ بداية سبتمبر/أيلول، مع ظهور أسلحة ثقيلة بينها الدبابات والمدفعية.

لكن التفوق العسكري النظامي لا يساوي بالضرورة السيطرة على المجال الجغرافي. فالجيش الفدرالي يستطيع استخدام القوة الجوية والمدفعية، لكنه تحتاج بالمقابل إلى قوات برية للسيطرة على الطرق والمراكز السكانية وحماية خطوط الإمداد. وكلما اتسعت مساحة القتال، ارتفعت الحاجة إلى توزيع هذه القوات على مسارح متباعدة. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط اختبار التحالف الجديد: هل يستطيع تحويل تعدد الجبهات من مجرد انتشار جغرافي إلى ضغط متزامن يفرض على الجيش تغيير أولوياته؟

حتى الآن لا توجد أدلة كافية على أن هذا المستوى من التنسيق قد تحقق. فالمعارك في تيغراي وأمهرة وعفر لا تعني تلقائياً وجود قيادة عمليات مشتركة، كما أن المسافات المتباعدة والتضاريس الجبليّة القاسية وضعف واختلاف شبكات الإمداد تجعل التنسيق العسكري بين فصائل التحالف أكثر تعقيداً من التنسيق السياسي.

داخل تيغراي

وفي إقليم تيغراي المأزوم، تظهر مؤشرات على أن الصراع ليس خارجياً فقط. فقد أعلنت هيئة الإذاعة الإثيوبية أن اللواء والقيادي البارز بمركزية الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي جبري أدهانا، والذي كان يشغل منصب مفوض شرطة الإقليم السابق، انشق عن الجبهة وانضم إلى الحكومة الفدرالية. كما سجلت ACLED انشقاق رئيس شرطة تيغراي الحالي وعضو بارز في الجبهة في 23 سبتمبر. ولا يمكن من واقعة واحدة استنتاج حجم الانقسامات داخل القيادة التيغرانية، لكن مثل هذه التطور تعطي مؤشرات واضحة أن الجبهة تدخل هذه الحرب وهي تواجه تحديات داخلية عميقة.

وفي هذا الصدد كشفت مشروع بيانات وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) عن خلافات داخلية مرتبطة بأداء قوات دفاع تيغراي في غرب الإقليم (ولغايت)، وأشار إلى نشاط عمل أحد كبار جنرالات الجبهة بسبب ذلك، وأشار المشروع استناداتً إلى مصادر محلية تيغرانية نافذة إلى ظهور جبهة جديدة قرب نهر تكازي.

كسر بريتوريا

سياسياً، تقترب التطورات من إفراغ اتفاق بريتوريا لعام 2022 من مضمونه العملي. فقد أعاد حزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تأكيد سيطرته على مؤسسات الإقليم في مايو/ أيار، بينما ظلت قضايا أساسية تضمنها الاتفاق، بينها الترتيبات السياسية والأمنية وقضايا الأراضي، من دون تسوية نهائية. ومع تحول الاشتباكات الحالية إلى حرب مفتوحة، باتت العودة إلى آلية بريتوريا أكثر صعوبة، وإن كانت لا تزال الإطار الوحيد الذي تتمسك به المؤسسات الأفريقية والدولية.

من جهته كان الأمين العام للأمم المتحدة دعا جميع الاطراف إلى وقف التصعيد وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، وأكد أن جهود الاتحاد الأفريقي، بما فيها تحرك الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، تستهدف إعادة الأطراف إلى المحادثات ضمن إطار اتفاق بريتوريا. كما أعلن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف أن الاتفاق الموقع في 2 نوفمبر / تشرين الثاني 2022 لا يزال يمثل حجر الأساس للسلام المستدام في إثيوبيا.

وتراقب العواصم الغربية والإقليمية أيضاً احتمال اتساع البعد الإقليمي للأزمة. فقد اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بتقديم دعم مالي لأعضاء في التحالف، بينما نفت أسمرة ذلك. وسبق أن حذرت تقارير استخبارية وتحليلية من وجود اتصالات بين بعض هذه الأطراف وإريتريا، لكن طبيعة الدعم وحجمه لا تزالان موضع نزاع، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة مثبتة.

وفي 24 سبتمبر/ أيلول، نشرت (Africa Intelligence) تقريراً أشارت فيه إلى أن الحكومة الإثيوبية كانت أخطرت حكومات غربية وبعثات دبلوماسية بأن الحبهة اليتغرانية تتأهب لشن حرب عليها قبل اندلاع القتال، في مؤشر إلى أن أديس أبابا كانت تتوقع تفجر الأوضاع في الشمال. وتكتسب هذه المعلومة أهميتها لأنها تضع التصعيد الحالي ضمن سلسلة استعدادات سياسية وأمنية سبقت اندلاع المعارك الأخيرة.

أما الاختبار الحقيقي للتحالف، فيتمثل في قدرته على إنتاج تنسيق مستدام بين مكوناته ذات الأهداف والمصالح المتباينة والمتناقضة أحياناً. فإذا بقي التعاون في حدود العداء المشترك لحكومة آبي أحمد، فسوف يظل إطاراً سياسياً أكثر منه قيادة عسكرية مركزية موحدة. أما إذا نجحت القوى المتحالفة في ربط عملياتها وتوقيتاتها ومسارحها، فستواجه الحكومة المركزية معادلة أمنية أكثر تعقيداً من جميع التمردات التي تعاملت معها خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت الراهن، لا تشير المعطيات المتاحة إلى تغير محسوم في ميزان القوة لصالح أي طرف. لكنها تشير بوضوح إلى تغير في طبيعة المعركة: من صراعات إقليمية متوازية إلى محاولة ربطها داخل جبهة سياسية موحدة، بالتزامن مع عودة القتال المباشر بين قوات دفاع تيغراي والجيش الفدرالي الإثيوبي. ومن هنا يصبح السؤال المركزي للمرحلة المقبلة : ليس ما إذا كان التحالف قادراً على إسقاط الحكومة، بل ما إذا كان قادراً على تحويل نفسه إلى قوة قادرة على فرض كلفة عسكرية وسياسية متزامنة على أديس أبابا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع