تتشف الأجواء الراهنة في ولاية شمال كردفان عن مشهد بالغ التعقيد والخطورة في التعاطي الحكومي مع القطاع التعليمي، حيث تتداخل القرارات الإدارية التعسفية مع القبضة الأمنية لتشكل نمطاً مدمراً من الممارسات التي تستهدف استقرار المعلم وتجريده من حقوقه الأساسية.
إن النهج الذي تتخذه السلطات الولائية تجاه المعلمين لا يمكن عزله عن سياسة إخضاع المؤسسات وتطويعها لخدمة أهداف تتجاوز إطار القانون والعدالة الإدارية، إذ يظهر جلياً أن حكومة ولاية شمال كردفان غدت تدار بمنطق أمني ضيق بعيد كل البعد عن مبادئ الحكم الرشيد، حيث تُستغل أجهزة الدولة وأدواتها التنفيذية كوسيلة للانتقام المباشر والضغط المادي والمعنوي، رداً على المطالبات المهنية الواعية بتحسين شروط الخدمة وصرف المتأخرات المالية التي كفلها القانون والمنشورات الرسمية.
يمثل قرار إيقاف رواتب العشرات من المعلمين دون الكشف عن المسببات الإدارية أو الأسانيد القانونية حلقة في سلسلة من الممارسات الشمولية التي تعتمد على التعتيم وغياب الشفافية، وهو ما يفضح العجز القيادي والارتباك الإداري الذي تعاني منه ولاية شمال كردفان.
إن حجب القوائم وتغييب المبررات الصريحة لا يعكس مجرد إهمال تنفيذي أو خطأ إجرائي، بل يؤكد وجود نية مبيتة لتصفية الحسابات وإرهاب القاعدة التعليمية عبر قطع مصادر العيش.
وتتضاعف فداحة هذه الخطوات عندما تطال كوادر على أعتاب التقاعد، مما يكشف عن انحطاط أخلاقي وإداري يستمرئ الاستهانة بسنوات الخدمة الطويلة ومحاولة حرمان المعلمين من حقوقهم التأمينية والمالية، مع استغلال خنيس للظروف الاستثنائية والحرب التي تمر بها البلاد لتمرير قرارات ظالمة تجرد المؤسسات الحكومية من معاني الحماية والمواطنة.
إن الإفلاس التنفيذي لحكومة الولاية تجسد في عجزها الفاضح عن فتح قنوات حوار موضوعية لمعالجة ضعف الأجور وتراكم الاستحقاقات، والاستعاضة عن ذلك بتصلف إداري يفاقم من معاناة المعلم السوداني الذي يقاتل في جبهات الاستقرار الاجتماعي.
وبدلاً من أن تتحمل الجهاز الحكومي مسؤوليته الأخلاقية والتنفيذية في الوفاء بالالتزامات المالية الصريحة وتحسين البيئة التعليمية، اختارت حكومة شمال كردفان الهرب إلى الأمام عبر تحويل أزماتها المادية والفشلية إلى مواجهة مفتوحة مع المعلمين، مما يهدد بتفكيك ما تبقى من المنظومة التعليمية المتردية بالأساس وإدخال الولاية في حالة من الفوضى الشاملة.
ولم تقف السلطات عند حدود التضييق المالي والقطع التعسفي لسبل العيش، بل تجاوزت ذلك إلى التصعيد الأمني الصريح والمكشوف عبر استخدام أذرع الاستبداد للاعتقال والاحتجاز غير المشروع بحق القادة النقابيين والفاعلين في المطالبة بحقوق التربويين كما حدث للاستاذ على الزبير الذي نقل الى سجن الابيض.
إن زج الكوادر التعليمية في السجون وتحريك اتهامات فضفاضة ومفبركة تتعلق بتقويض النظام ضد معلم كل جريرته أنه طالب بمرتبه المتأخر، يسلط الضوء على تهافت الذرائع الرسمية ومدى انحدار السلطة السلطوية في الولاية.
إن تحويل المطالب المعيشية المشروعة إلى قضايا جنائية وأمنية خطيرة يعكس رعب السلطة من الصوت الحر، ويؤكد إصرارها على إدارة ملفات الولاية بمنطق البطش والقمع الممنهج، مفرغةً مؤسسات الدولة من محتواها الخدمي والقانوني لتتحول إلى سلطة عقابية تقتات على ترهيب المواطنين وإسكات كل صوت ينادي بالعدالة وسيادة القانون.