تقارير

تصاعد الحرب واتساع رقعة الكارثة الإنسانية في السودان: من شمال كردفان إلى دارفور

تقرير - رشا رمزي

عاد الفريق أول ركن ياسر العطا إلى واجهة المشهد السوداني بخطاب عسكري يعلن من خلاله استئناف مهامه عبر ما أسماه “القيادة الجوالة”، مؤكداً أن الجيش يعمل من أجل أمن الوطن وسلامة المواطنين. غير أن هذا الخطاب، الذي بدا حماسياً في ظاهره، جاء في ظل مشهد ميداني متفجر، يزداد فيه العنف والدمار في كردفان ودارفور بوتيرة مقلقة، بينما تواصل قوات الدعم السريع تقدمها في مناطق جديدة وسط تحذيرات دولية من كارثة إنسانية غير مسبوقة.

ربط العطا بين ما يجري في السودان ومؤامرة إقليمية ودولية تهدف، كما قال، إلى نهب موارد القارة الإفريقية، متهماً دولة الإمارات بدعم وتمويل قوات الدعم السريع. تصريحات العطا تزامنت مع غارات جوية نفذها سلاح الجو السوداني استهدفت أرتالاً عسكرية للدعم السريع في منطقتي أم كريدم وود بندة بغرب وشمال كردفان، في إطار حملة تهدف إلى إضعاف قدرات المليشيا تمهيداً للتقدم نحو دارفور. وفي المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع عبر قناتها على “تليغرام” عن حشود ضخمة تتجه نحو مدينة بابنوسة للسيطرة على الفرقة 22 التابعة للجيش، ما ينذر بجولة جديدة من المعارك غرب البلاد.

نازحي الفاشر

في هذه الأثناء، حذرت الأمم المتحدة من تصاعد حدة العنف في شمال كردفان، مشيرة إلى أن أكثر من 39 ألف شخص نزحوا خلال أسبوعين فقط من مناطق بارا وشيكان والرهد وأم روابة وأم دم حاج أحمد. وأفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أن آلافاً آخرين فروا إلى النيل الأبيض وأم درمان، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور النزوح الجماعي التي شهدها الإقليم خلال العام الماضي.

المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أطلق تحذيراً صريحاً من “استعدادات واضحة” لجولات قتال جديدة في كردفان ودارفور، مؤكداً أن التصعيد الجاري يشير إلى نية لتكثيف العمليات العسكرية دون اعتبار للمدنيين المنهكين من المعاناة. تورك شدد على أن “التحرك الفوري ضروري قبل أن يصنف الوضع في الفاشر إبادة جماعية”، في إشارة إلى الجرائم التي تُرتكب هناك على أسس عرقية ولونية.

من الفاشر، خرجت شهادات مرعبة للناجين تصف عمليات قتل جماعي وخطف واغتصاب استهدفت المدنيين بسبب لون البشرة والانتماء القبلي. تحدث حسن عثمان، وهو من أبناء المدينة، عن “هجمات إثنية” نفذتها قوات الدعم السريع، بينما روت آمنة هارون كيف قُتل زوجها وابنها أمام عينيها فقط لأنهم “لا ينتمون إلى القبيلة الصحيحة”. وذكر شهود أن المقاتلين فرضوا مبالغ مالية باهظة مقابل المرور الآمن، تحدد وفق الهوية العرقية، فيما وصف آخرون إهانات لفظية وجسدية وصلت إلى حد وصفهم بـ“العبيد”. 

نازحي الفاشر

في المقابل، نفت قوات الدعم السريع الاتهامات، معتبرة أن ما يروّج له مجرد “افتراء”.

تطابق هذه الروايات ما وثقته الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من فظائع ارتُكبت في الفاشر تشبه ما جرى في الجنينة وزمزم، حيث قُتل الآلاف في حملات ذات طابع عرقي. واعتبر خبراء أمميون أن تلك الأفعال ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مشيرين إلى استهداف متكرر لقبائل الفور والمساليت والزغاوة. بينما وصف منسق “أطباء بلا حدود” في مدينة طويلة ما سمعه من النازحين بأنه “رعب خالص”، إذ هوجم المدنيون بسبب لون بشرتهم أثناء محاولتهم الفرار.

وسط هذه الصورة القاتمة، حاولت بعض الأصوات المحلية رسم مشهد مغاير. أحمد جرمة، الأمين العام لحركة العدل والمساواة، قال إن الفاشر بدأت تشهد عودة جزئية للحياة الطبيعية بعد زيارة وفد الحركة للمدينة، مؤكداً أن بعض الأحياء عاودت النشاط وأن السوق والمقاهي أعادت فتح أبوابها. لكنه أقر بأن مناطق الجنوب والجنوب الشرقي ما زالت تعاني بسبب الألغام وبقايا القتال، داعياً إلى تضافر الجهود المحلية والدولية لإعادة الحياة إلى المدينة المدمّرة.

نازحي الفاشر

لكن تقارير الأمم المتحدة تناقض هذا التفاؤل. فالعنف، كما تقول “أوتشا”، تمدد إلى خارج الفاشر ليقطع الطرق الرئيسية ويعزل المدنيين عن المساعدات. ومنذ سقوط المدينة في يد الدعم السريع أواخر أكتوبر، فرّ نحو 89 ألف شخص إلى طويلة ومليط وسرف عمرة، في حين لجأ آخرون إلى دبة في الولاية الشمالية، بينما يعاني أكثر من 3 آلاف نازح في الطينة على الحدود مع تشاد من أوضاع مأساوية بلا غذاء أو مأوى.

وتصف هيئة الأمم المتحدة للمرأة الوضع بأنه “جحيم مفتوح”، مؤكدة أن الاغتصاب يُستخدم بشكل ممنهج كسلاح حرب. المديرة الإقليمية آنا موتافاتي قالت إن أجساد النساء أصبحت “مسرحاً للجريمة”، وإن الكرامة الأساسية للنساء انهارت تماماً مع انعدام المستلزمات الصحية وارتفاع أسعارها بشكل فاحش، ما أجبر كثيرات على اتخاذ “قرارات مستحيلة” بين الغذاء والدواء والكرامة.

ورغم كل هذه التحذيرات، تستمر المأساة في الاتساع. فقد حذرت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، من أن الفاشر تعيش “كارثة إنسانية متكاملة الأركان” بعد 18 شهراً من الحصار، حيث نفدت الإمدادات وتوقفت المستشفيات، فيما يعيش عشرات الآلاف على حافة المجاعة. وأضافت أن القوافل الإنسانية تواجه مخاطر كبيرة في الوصول إلى المناطق المتضررة، بينما المخازن شبه فارغة والتمويل يتناقص بسرعة.

نازحي الفاشر

تزامن ذلك مع إعلان المنظمة عن قافلة مساعدات جديدة من بورتسودان إلى طويلة، في محاولة لإنقاذ نحو 7,500 نازح، إلى جانب مشاريع طارئة لتحسين خدمات المياه والصحة والنظافة لما يقرب من 60 ألف شخص في دارفور. لكنها أكدت أن ما يُقدَّم لا يوازي حجم الكارثة.

وفي خضم هذا الانهيار الإنساني، برزت “الرباعية الدولية” – المكوّنة من السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج – كمحور دبلوماسي رئيسي يسعى إلى وقف النزاع وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض. غير أن دورها يواجه تحديات كبيرة بعد فشل محادثات جدة في تحقيق اختراق ملموس. فقد اكتفت الرباعية بتكرار الدعوات إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات، دون أن تملك أدوات ضغط كافية على طرفي الصراع. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن تباين أولويات دول الرباعية أسهم في تراجع فاعليتها، حيث تركز واشنطن على الجوانب الإنسانية، بينما تميل لندن والنرويج إلى المقاربة السياسية، وتحرص الرياض على حفظ توازن إقليمي يمنع تمدد الفوضى إلى جوارها المباشر. في المقابل، يرى محللون أن غياب التنسيق الدولي الواضح فتح المجال أمام لاعبين إقليميين آخرين للتأثير في مسار الحرب، ما جعل الملف السوداني ساحة تنافس أكثر منه ساحة حلول.

نازحي الفاشر

في هذا السياق، تسعى قوى إقليمية ودولية إلى حماية مصالحها في بلد يشكل قلب القرن الإفريقي ومفتاحًا للأمن في البحر الأحمر. فمصر تتابع بقلق تصاعد الصراع على مقربة من حدودها الجنوبية وتتمسك بضرورة وحدة السودان وعودة مؤسسات الدولة، وقد كثّفت تحركاتها الدبلوماسية خلال الأشهر الأخيرة بالتنسيق مع دول «الرباعية» — الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، وبريطانيا — من أجل دفع الأطراف نحو التهدئة واستئناف المسار السياسي. وترى القاهرة أن استمرار الحرب لا يهدد السودان فقط، بل يفتح الباب أمام موجات نزوح جديدة وضغوط اقتصادية وأمنية على دول الجوار.

فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحول السودان إلى واحدة من أسوأ بؤر الأزمات الإنسانية في العالم. تجاوز عدد النازحين داخلياً عشرة ملايين، والمجاعة تطرق أبواب ملايين آخرين مع انهيار كامل للبنية الصحية والتعليمية والخدمية. أما الفاشر، التي سقطت في أيدي المليشيا بعد حصار طويل، فهي اليوم رمز لانهيار الدولة واحتضار الضمير الإنساني.

بين خطاب العطا الذي يتحدث عن المؤامرات وواجب الجيش الوطني، وتقارير الأمم المتحدة التي تصف الفظائع والاغتصاب والجوع، تتجلى المأساة السودانية في أقصى صورها: بلد تلتهمه الحرب، وشعب يفر من موتٍ إلى آخر، وعالم يكتفي بالمشاهدة فيما التاريخ يعيد كتابة فصول الإبادة على أرض النيلين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع