تقارير

حذف انتفاضة ديسمبر من المناهج محل استفهام في السودان

تقرير - إشراقة علي عبد الله 

أثار قرار ولايتي كسلا والبحر الأحمر شرق السودان، الذي قضى بحذف مضامين مرتبطة بانتفاضة ديسمبر من المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية، وأي عبارات تشير إلى الحرية والسلام والعدالة، جدلاً كبيراً وسط مختلف فئات المجتمع السوداني.

وتضمن القرار حذف درس بعنوان “حرية وسلام وعدالة” من كتاب اللغة العربية للصف الرابع ابتدائي، إلى جانب حذف موضوع التعبير الخاص بانتفاضة ديسمبر، و”وحدة وطني” من كتاب القراءة للصف الثالث ابتدائي، إضافة إلى “الوحدة الخامسة” من كتب صفي الرابع والخامس أساسي.

لاحقاً أصدر وزير التربية والتعليم السوداني التهامي الزين حجر، قراراً بتشكيل لجنة عليا لمراجعة مناهج التعليم العام لناحية مواكبتها الظروف العامة في السودان، ومواجهتها التحديات الماثلة، فضلاً عن تكوين لجان متخصصة شملت لجنة لمراجعة مناهج التعليم قبل المدرسي وأخرى التعليم الثانوي، وهو ما يفتح احتمال صدور قرارات بحذف انتفاضة ديسمبر من مقررات الدراسة في المرحلتين المتوسطة والثانوي.

في المقابل، وجد القرار رفضاً واسعاً من ناشطين ومعلمين وقطاعات الرأي العام، حيث ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادات واسعة لهذا القرار، باعتبار أنه يأتي في سياق أوسع “يستهدف محو الوعي الثوري والقيم المدنية في ظل الحرب الحالية”.

وكانت حكومة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك التي تولت السلطة عقب سقوط الرئيس عمر البشير عام 2019، أجرت تعديلات على المناهج الدراسية بالحذف وإضافة بعض دروس توثق لانتفاضة ديسمبر وشعاراتها في السودان.

وأد الانتفاضة

في السياق قال رئيس لجنة المعلمين في ولاية كسلا شرق السودان، إن “الوسط التربوي تفاجأ بتوجيهات مدير المرحلة الابتدائية في ولاية كسلا بحذف الوحدة الرابعة من مقرر تكنولوجيا المعلومات، التي تتناول مبادئ الحرية والسلام والعدالة وانتفاضة ديسمبر، على رغم أن هذا المدير جاء إلى منصبه حاملاً شعارات الانتفاضة”.

وأوضح أن “المحذوفات من المقررات الدراسية تمثل القيم السامية التي نادت بها انتفاضة ديسمبر وشعاراتها، وهي جزء من أحلام الشباب والشعب السوداني، وما جرى بمثابة محاولة لمحو ذاكرة التاريخ وإخراس الأفواه وإجبارها على الصمت الانتقائي، ووأد الانتفاضة”.

وأشارت لجنة المعلمين السودانيين في ولاية كسلا إلى رفضها التام “لهذه القرارات التي تعد غير شرعية”.

ثورة 2019

تشكيل الوعي

من جانبه قال الناشط المجتمعي معاوية الفكي، إن “الحرب الحالية لم تقتصر على السلاح والمعارك الميدانية، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي العام، خصوصاً لدى الأطفال والشباب اليافعين، عبر إقصاء مفاهيم مرتبطة بالانتفاضة مثل حرية وسلام وعدالة من المناهج الدراسية”.

وأردف الفكي “القرار يمثل استهدافاً مباشراً لانتفاضة ديسمبر وقيمها النبيلة، إذ يعد محاولة لإبعاد الأجيال الجديدة عن فهم تاريخ السودان الحديث، فضلاً عن ربطه بالسياق السياسي والأمني الراهن، وفي اعتقادي هو جزء من صراع أوسع على الذاكرة والهوية”.

ولفت الناشط المجتمعي إلى أن “انتفاضة ديسمبر تجري في دماء أهل السودان، وتسيطر على قلوب الأطفال من خلال حفظ شعاراتها العميقة في معناها التي ظلوا يترددون بها ولا يزالون، لكن من المؤكد أن حذفها سيكون من الكتب فقط ولن يقدروا على محوها من عقولهم”.

تجسيد للحرية

ويقول الناشط الطوعي الزين خضر في مدينة أم درمان، إن “الهدف من انتفاضة ديسمبر التأسيس والإصلاح، فشعار ‘حرية وسلام وعدالة‘ تجسيد للحرية من الخوف والقهر والظلم الذي تعرض له السودانيون كافة من مدنيين وعسكريين من دون استثناء، فضلاً عن السلام بمعناه الأشمل الذي يتجاوز مجرد اتفاقات لاقتسام الانتفاضة والسلطة، والعدالة التي تعالج تاريخ الانتهاكات والجرائم والمآسي وكسر حلقة الإفلات من العقاب”.

وأضاف، “عندما نادت الانتفاضة بشعارها “الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب” كان ذلك هو الحد الأدنى لطموحها. لكن بعد مرور سبعة أعوام يبدو المشهد مختلفاً تماماً، فهناك محاولة لطمسها من خلال قرارات غير مبررة”.

وتابع خضر، “بات من المؤكد أنه لا حرية في ظل الحرب ولا سلام في بلد تحول إلى ساحات مفتوحة لاستهداف المدنيين، وربما تتراجع لكنها تظل في الوعي تقاوم من خلال لجان المقاومة وغرف الطوارئ التي واجهت الحرب بالإغاثة والمطابخ الجماعية، وبمحاولات حماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي”.

وأشار الناشط الطوعي إلى أنه “يجب إبعاد مستقبل الأجيال من الأفكار السياسية والتدخلات التي تريد احتكار العقول، إذ إن المشكلة سياسية في المقام الأول، لا سيما أن الخروج من الأزمة الحالية يكون بالرجوع إلى جوهر مشروع الانتفاضة”.

ثورة 2019

وضع كارثي

على صعيد متصل، أوضح المعلم المتقاعد عثمان بقادي أن “طول أمد الحرب والفوضى المستمرة في تداعياتها شملت التعليم الذي أصبح وضعه في السودان كارثياً في ظل غياب الدولة، واتخاذ القرارات الرشيدة التي تنقذ ملايين الأطفال من الضياع”.

وزاد بقادي “يجب الفصل بين التعليم والسياسة ودور المدارس في ترسيخ القيم الوطنية والتاريخية، لا سيما في مرحلة عمرية تعد من أكثر المراحل تأثيراً في تشكيل الوعي. بدوري أتساءل بعد القرارات المجحفة في طمس الهوية وحذف دروس تلقي الضوء على انتفاضة ديسمبر من مقررات المرحلة الابتدائية: ما مصير التعليم في السودان؟ وإلى أين يتجه به السياسيون في ظل الحرب التي لا تزال نيرانها تطاول كل جوانب الحياة؟”.

ومضى المعلم المتقاعد في القول “للأسف هذه القرارات عممت بالصيغة ذاتها في ولاية البحر الأحمر، وألزمت المراحل الدراسية حذف كل ما يتعلق بانتفاضة ديسمبر بناء على توجيهات فنية شكلتها وزارة التربية والتعليم الاتحادية لمراجعة المناهج الدراسية بصورة عامة، لا سيما أن الأوساط التربوية في حال ترقب لصدور قرارات جديدة تفاقم الأزمة التعليمية في البلاد”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى