
تزايدت، في الآونة الأخيرة، حالات الاستهداف المباشر للإعلاميين والصحافيين السودانيين من طرفي الحرب في كل من مناطق سيطرة الجيش وقوات “الدعم السريع” معاً، مما تسبب في انتهاكات كبيرة هددت أرواحهم بصورة مباشرة حتى بات عليهم توقع أسوأ الاحتمالات التي من الممكن أن تواجههم من قتل واعتقال واعتداء.
وتعرض مئات الصحافيين للتوقيف والخطف، وكذلك الإخفاء القسري، إضافة إلى الضغوط الكبيرة التي يمارسها طرفا الصراع، وتشمل التهديدات بالقتل والتصفية الجسدية ومصادرة المعدات وإغلاق المؤسسات الإعلامية، وجراء هذه الأوضاع بلغ مجمل الانتهاكات التي تعرض لها الصحافيون منذ اندلاع الحرب في أبريل عام 2023، 590 حالة انتهاك موثقة ومصنفة بحسب طبيعة كل انتهاك.
قتل واعتقالات
وبحسب تقرير رصد الانتهاكات والتجاوزات في حق الصحافيين والحريات الصحافية، فقد شهد عام 2025، زيادة هائلة في عدد الضحايا، فخلاله لقي 14 صحافياً وعاملاً إعلامياً حتفهم. وبخلاف حالات القتل رصد التقرير ارتفاعاً في العدد الكلي لحالات الإخفاء القسري إلى ست حالات، بينما وصل إجمال حالات الاعتقال والاحتجاز والملاحقات القانونية إلى 17 حالة، فضلاً عن ارتفاع العدد الكلي للانتهاكات العابرة للحدود والتهديد وخطاب الكراهية وتشويه السمعة إلى 27 حالة.
وسلط تقرير نقابة الصحافيين السودانيين الضوء على مدينة الفاشر بوصفها إحدى أخطر بؤر الانتهاكات في حق الصحافيين خلال عام 2025، مشيراً إلى اختفاء ثلاثة صحافيين في المدينة قبل المجازر التي تزامنت مع سيطرة “الدعم السريع” على عاصمة شمال دارفور في الـ26 من أكتوبر 2025، من دون أن تتوفر أي معلومات عن مكان اختفائهم أو ظروفهم. ولفت التقرير إلى أن “القصف المتواصل وانعدام الأمن والأمان والانقطاع شبه الكامل لخدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة الفاشر أسباب أعاقت عمليات التوثيق وقيّدت قدرة الصحافيين على نقل المعلومات، وخلق بيئة معتمة”، وأكد التقرير أنه “يرجح أن الانتهاكات الموثقة لا تمثل سوى جزء محدود من الواقع الفعلي”.

استهداف ممنهج
في السياق، رأى الصحافي السوداني أشرف عبدالعزيز أن “تقرير نقابة الصحافيين السودانيين لعام 2025 يعكس تحولاً دراماتيكياً ومأسوياً في مشهد الحريات الصحافية، إذ لم تعد الانتهاكات مجرد حوادث عرضية تفرضها ظروف الحرب، بل تطورت إلى استهداف ممنهج ومنظم يسعى بوضوح إلى اغتيال الحقيقة وتغييب وعي المجتمع بما يدور على الأرض”.
وأضاف أن “رصد 67 انتهاكاً مباشراً، بينها مقتل 14 صحافياً في عام واحد، يضعنا أمام واقع هو الأخطر في تاريخ الصحافة السودانية الحديث، إذ انهارت تماماً منظومة حماية المدنيين وحلت مكانها سياسات الإفلات من العقاب”.
وأوضح عبدالعزيز أن “مدينة الفاشر تبرز كشاهد حي على هذا الواقع المظلم، بخاصة بعد تحولها إلى بؤرة للخطر الأكبر نتيجة القصف والحصار وانقطاع خدمات الاتصالات، مما جعل عملية التوثيق بحد ذاتها ضرباً من المغامرة بالحياة، كما يتجلى ذلك في الغموض الذي يكتنف مصير الصحافيين المفقودين في خضم العمليات العسكرية”.
وتابع “هذا التصعيد النوعي، الذي شمل القتل تحت التعذيب والإخفاء القسري والاعتقالات التعسفية الطويلة، يشير إلى أن جميع أطراف النزاع والجهات الأمنية باتت تنظر إلى الكلمة المستقلة باعتبارها تهديداً وجودياً يجب إخراسه”.
وزاد “المثير للقلق في هذا المشهد هو تعدد أدوات القمع، فإلى جانب إطلاق الرصاص والاحتجاز، يتم توظيف القانون كأداة لإسكات الصحافيين عبر توجيه تهم أمنية وسياسية خطرة، تهدف إلى تجريم العمل الصحافي الرافض للحرب والداعم للانتقال الديمقراطي”.
انتهاكات عابرة للحدود
ونوه عبدالعزيز بأن “هذا التهديد لا يقتصر على الصحافيين الموجودين في داخل البلاد وحسب، بل هناك انتهاكات عابرة للحدود تلاحق الصحافيين في منافيهم، مما يؤكد أن غياب الحماية أصبح قدراً يطاردهم أينما حلوا، خصوصاً مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الممنهج الذي يسبغ صفات العمالة على كل من يسعى إلى نقل الواقع”.
ومضى قائلاً أيضاً “يضع هذا التقرير المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية تاريخية، فالصمت حيال ما يواجهه الصحافيون السودانيون من استهداف مباشر، هو ضوء أخضر لاستمرار نهج القمع، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين والكشف عن المفقودين، وكذلك توفير حماية حقيقية للصحافيين ليست مجرد مطالب نقابية، بل هي ضرورة قصوى لضمان عدم اندثار الحق في المعرفة، وهو الحق الذي من دونه تتبخر فرص السلام والعدالة الاجتماعية في السودان”.
تهديدات وأخطار
على الصعيد نفسه، أشار الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات السوداني حسام الدين حيدر إلى أن “الصحافيين يتعرضون لشتى أنواع الاعتداءات الممنهجة التي تهدف إلى إسكاتهم ومنعهم من نقل الحقائق وتغطية الأحداث، كذلك يمارس طرفا الصراع ضغوطاً كبيرة على الصحافيين، تشمل التهديدات بالقتل والتصفية الجسدية، وكذلك مصادرة المعدات وإغلاق المؤسسات الإعلامية”.
ولفت إلى أن “تزايد معدلات الانتهاكات ضد الصحافيين يشكل تهديداً خطراً لحرية الصحافة وحقوق الإنسان ويعوق نقل الحقائق وتغطية الأحداث، ويتطلب التصدي لهذه الانتهاكات تضافر جهود المجتمع الدولي وطرفي الصراع ومنظمات المجتمع المدني من أجل وضع آليات فعالة لحماية الصحافيين وضمان محاسبة الجناة”.
ونوّه حيدر بأنه “أمام هذه الانتهاكات الجسيمة تبرز الحاجة الماسة إلى وضع آليات فعالة لحماية الصحافيين وتوفير الضمانات اللازمة لهم للقيام بعملهم بحرية وأمان من خلال إلزام الجيش السوداني وقوات ‘الدعم السريع’ تطبيق القوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقات جنيف والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فضلاً عن التحقيق في الانتهاكات ضد الصحافيين وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة وعدم إفلاتهم من العقاب”.
أوضاع جيدة
على نحو متصل أيضاً، رأى عضو اتحاد الصحافيين السودانيين بشير سليمان أن “الصحافيين الموجودين في مناطق سيطرة الجيش لم يتعرضوا لأي انتهاكات ويعملون بكل حرية، ومن بينهم العاملون في وسائل الإعلام الخارجية”.
وبيّن سليمان أن “الصحافيين يحصلون على تصاريح العمل وفق القوانين، واتصالاتهم بالمصادر للحصول على المعلومات والأخبار متاحة من دون تقييد حركتهم ونشاطهم”.
وأوضح عضو اتحاد الصحافيين السودانيين أن “هناك صحافيين يعملون وفق أجندة محددة تخضع لتوجهات وسياسات دول تعمل على تغذية الصراع المسلح بعيداً من نقل الحقائق والمعلومات الحقيقية على الأرض، ومن ثم فإن اتخاذ إجراءات ضدهم حق مشروع في ظل ظروف الحرب”.





