تقارير
ألف يوم من الحرب في السودان : دولة تتفكك في ظل فشل القيادة المحلية وضعف الاستجابة الدولية
متابعات - مشاوير

نقف، نحن المنظمات السودانية والعربية والأفريقية الموقعة أدناه، متحدين في التزامنا إزاء شعب السودان، بعد مرور أكثر من ألف يوم على الحرب. فبينما يعجّل هذا النزاع بتفكك الدولة ويضاعف الجرائم الممنهجة؛ يظل المجتمع الدولي عاجزًا عن منع تجدد الإبادة الجماعية، ووضع حد للفظائع واسعة النطاق، وتوظيف منظومة العدالة كسلاح.
نطالب بالوقف الفوري لتدفقات الأسلحة الخارجية، وندعو إلى عملية سلام تتجاوز المساومات بين أمراء الحرب، تقوم على الانتقال إلى حكم مدني شامل. فمنذ قرابة ثلاث سنوات، تخوض القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع –بدعم من أطراف إقليمية– حربًا شرسة على حساب المدنيين، مدفوعة بصراع على السلطة والموارد، مما أدى إلى عرقلة الانتقال الديمقراطي المدني في السودان.
تشير الأدلة إلى وجود دعم عسكري خارجي مستمر لكلا الطرفين، بما في ذلك تدفق الدعم عبر مراكز عبور إقليمية، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة أمد النزاع ويسمح بارتكاب المزيد من الانتهاكات. تؤدي دولة الإمارات دور البوابة الرئيسية لتهريب الأسلحة والأموال إلى السودان لصالح قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما جريمة الإبادة الجماعية.
في الوقت نفسه، كثّفت مصر والمملكة السعودية وتركيا ودول أخرى دعمها العسكري للقوات المسلحة السودانية، التي وُجهت إليها أيضًا اتهامات بجرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وحتى الآن، لم يُبذل سوى القليل من الجهد لمحاسبة دولة الإمارات أو غيرها من الحكومات التي تقدم الدعم والأسلحة لمرتكبي الانتهاكات، أو وصمها بوصفها مصدرًا للسلاح.
لقد ألحقت الحرب أضرارًا كارثية بالمدنيين، وتسببت في تقويض شبه كامل للحق في الحياة والأمن. إذ تشير بيانات النزاع المتاحة إلى أنه في عام 2025 وحده، أسفر العنف المرتبط بالنزاع عن مقتل أكثر من 17,000 شخص في مختلف أنحاء السودان.
ووفقًا لمؤشر النزاعات لمنظمة (ACLED) للعام نفسه، صُنف السودان في المرتبة الثانية، ضمن أخطر النزاعات وأكثرها دموية في العالم، لا يسبقه في ذلك سوى الحرب الروسية الأوكرانية. ومنذ أبريل 2023، يُقدر إجمالي عدد الوفيات بما لا يقل عن 150 ألفًا –معظمهم من المدنيين– علمًا بأن الرقم الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بكثير.
في الوقت نفسه، جرى توظيف القضاء السوداني بشكل منهجي بوصفه سلاحًا لتجريم العمل الإنساني، وإسكات المعارضين، وترويع النازحين وكل من يُنظر إليهم بوصفهم خصومًا.
إذ أسفرت محاكمات افتقرت لضمانات العدالة في دوائر قضائية عدة عن صدور أحكام بالإعدام وعقوبات بالسجن المطول بناءً على أدلة انتُزعت بالإكراه أو أدلة ملفقة، أو بدافع الانتقام السياسي، أو التنميط العرقي، مما يعكس انهيار استقلال القضاء. هذا النمط من الاضطهاد القضائي يشكل امتدادًا للنزاع المسلح بوسيلة أخرى، مما يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية، وترسيخ إفلات العناصر المسلحة من العقاب، وصرف المدنيين عن تقديم المساعدات، أو توثيق الانتهاكات، أو ممارسة الحريات المدنية الأساسية.
وُظّف العنف الجنسي المرتبط بالنزاع بوصفه تكتيكًا حربيًا متعمدًا في شتى أنحاء السودان، لترويع المدنيين وإذلالهم وتهجيرهم. وتشير الأدلة إلى مسئولية قوات الدعم السريع عن غالبية الهجمات الممنهجة في هذا الشأن. وتعد هذه الممارسات جرائم دولية خطيرة تترك آثارًا لا تُمحى على الناجين وعلى النسيج الاجتماعي، وتتطلب محاسبة فورية للمنفذين والقادة على حد سواء.

وبالإضافة إلى الحالات التي أكدتها منظمات سودانية غير حكومية موثوقة، رصد خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان ما يزيد عن 390 حالة اغتصاب واغتصاب جماعي حتى نهاية 2025.
هذا الرقم يمثل مجرد جزء ضئيل من حجم العنف الفعلي؛ إذ يؤدي انعدام خدمات الحماية، والتبعات الاجتماعية والأمنية المترتبة على تقديم البلاغات، إلى إجبار العديد من الناجين والناجيات على البقاء بعيدًا عن الأنظار.
وُثقت أعمال تطهير عرقي وإبادة جماعية في غرب وشمال دارفور على الأقل. كما وثقت منظماتنا وغيرها، على مدار الألف يوم، انتهاكات جسيمة تضمنت هجمات مباشرة ومتعمدة من جانب قوات الدعم السريع بحق المدنيين والبنى التحتية المدنية في الخرطوم وسنار وكردفان والجزيرة. وقد ارتكبا طرفي النزاع جرائم قتل خارج نطاق القانون، واعتقالات واحتجازات تعسفية، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من جرائم التعذيب والمعاملة القاسية أو اللا إنسانية والمهينة، والإخفاء القسري. وفيما استخدمت القوات المسلحة السودانية القصف الجوي التقليدي، استخدم كلا الطرفين الطائرات المسيرة (الدرون) والمدفعية الثقيلة في استهداف الأحياء السكنية والأسواق والمستشفيات.
فخلال شهر يونيو 2023، شنت قوات الدعم السريع هجمات استهدفت المكونات غير العربية، وبشكل خاص المساليت والفور والزغاوة في ولاية غرب دارفور، عبر ممارسات قتل واضطهاد تصل حد الإبادة الجماعية.
كما تعرضت مخيمات النازحين حول مدينة الفاشر، التي تأوي ضحايا نزحوا في الفترة بين 2003 و2005، لهجمات شرسة شنتها قوات الدعم السريع عام 2025 في حملتها للسيطرة على المدينة.
وفي هجمات انتقامية أعقبت استعادة السيطرة على مدينة «ود مدني» في يناير 2025، ارتكبت مليشيات موالية للقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك «قوات درع السودان»، نمطًا ممنهجًا من القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي لآلاف المدنيين العزل. فيما تواترت تقارير تفيد بإحراق أشخاص أحياء داخل منازلهم.
وفي السياق نفسه، وثقت عدة تقارير ومقاطع فيديو، تم تداولها على نطاق واسع، حوادث صادمة استهدفت سكان «الكنابي» (معسكرات العمال الزراعيين) على خلفية أصولهم الأثنية، لا سيما المنتمين لمجموعات «التاما» و«الفور» و«الزغاوة» و«المساليت» و«المسيرية»، بزعم «التخابر مع قوات الدعم السريع».
إن حكومة الأمر الواقع تتحمل المسئولية النهائية عن هذه الجرائم الدولية؛ إذ لم تكتفِ بالتقاعس عن التحقيق، بل عمدت إلى استيعاب قادة تورطوا في هذه التجاوزات الشنيعة، الأمر الذي يعزز الإفلات من العقاب المتجذر في الدولة.
في أواخر أكتوبر 2025، وبعد أكثر من 18 شهرًا من الحصار، بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وآخر معاقل القوات المسلحة السودانية الرئيسية في إقليم دارفور. ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر 2025، تواترت تقارير موثوقة تكشف ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق تضمنت؛ إعدامات ميدانية، ومداهمات للمنازل، واعتداءات على المدنيين الفارين أثناء نزوحهم، وعمليات اختطاف مقابل فدية. علاوة على ذلك، كشفت منظمة الصحة العالمية (WHO) عن مقتل أكثر من 460 مريضًا ومرافقًا في مستشفى السعودي للولادة أثناء اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة.
في أعقاب السيطرة على المدينة، فرّ عشرات الآلاف من المدنيين باتجاه مدن مثل «طويلة» في شمال دارفور (حوالي 70 كم غرب الفاشر) ومعسكر «العفّاض» في الولاية الشمالية (قرابة 650 كم شمال شرق الفاشر).




