خرج علينا الإتحاد الأفريقي- قيادة أميرة الفاضل، بمبادرة لهندسة العملية السياسية بصورة تسمح باستمرار المعارك وتسعير ضراوتها على الأرض، هذا التماهي مع موقف إخوة مسيلمة لاستعادة سيطرتهم على الرأي العام، ليس جريمة في حق الشعب فقط بل استهتارا بإرادة السودانيين.
لا يمكن النظر لما حدث في أديس أبابا بمعزل عن مسرحية القاهرة سيئة الاخراج، أن شرعية التمثيل التي منحتها (تقدم) للواجهات المستأجرة للمؤتمر الوطني، شجعها هى الأخرى على العمل في ضوء النهار لتكوين تحالفات مشبوهة لتسفيه أحلام السودانيين.
انظر لتصريح أحدهم يدعى (مبارك الفاضل) الذي سلم السلطة لنظام الـ 30 يونيو 1989، حينما كان يشغل منصب وزارة الداخلية، لقد نادى علناً بتكوين لجنة خبراء (حكومة حرب)، هذا التعجل في كشف المواقف أتى من صك المشروعية التي حظى بها مؤخراً، ولن يمانع إخوة مسيلمة في استخدامه كواجهة لهم (لقد اختبروا ولاءه لهم منذ عقود).
المؤتمر الوطني لا يمانع من حيث المبدأ بمشاركة أي طرف بالعملية السياسية، بما في ذلك الدعم السريع، طالما يشكلون محورها، لأن الحرب تجاوزت ما رسمت له وفككت جزءا ليس بالهين من بنية نظامهم، وأي مجهود سياسي يتصل بهذا الصدد، يعرضهم للتلاشي التام، لذلك هم حريصون على عرقلة أي عملية سياسية لا تؤدي لهذه النتيجة.
ما فعلته الواجهات المستأجرة هذه المرة يتفوق على جهودهم بالخداع عندما كانوا بالسلطة، لم تنفخ هذه الاجسام والشخصيات الروح بإخوة مسيلمة بل جعلت من بنية نظامهم مادة للمساومات السياسية، وواهم من أعتقد بأن عبد الله حمدوك أو عبد الواحد نور.. الخ يمانعون مطالبهم هذه.
ما لا يعلمه البعض أو يتغافل عنه لغرض خاص، أن المؤتمر الوطني لديه معتقلون عند المؤتمر الشعبي والعكس وهم يساومون بعضهم البعض بذلك، أنظر الى اخلاء اجزاء واسعة من الخرطوم والولايات أمام الدعم السريع دون قتال وعدم رغبة الأخير الدخول لمناطق بعينها.
إن الارتباط العضوي لأحزاب التوالي بطرفي المفاصلة، وتأجيلها أي تفاهمات جادة في ما بينها، حتى يتفق إخوة مسيلمة اولا، هو انتظار خبر لا يأتي ابداً، لآن كل طرف يعتقد بأن لديه مبرراً لإهلاك الآخر فأحدهما يعتقد أن بيده السلطة والآخر يظن أنه يمتلك الحق، والشعب والدولة متغيرات جانبية لآن مشروعهم كوني (عالمي) وسوف يسيطرون على كامل الإقليم في سنوات قليلة مجرد أن تزول كل المهددات وعلى رأسها ثورة الشعب.
إن أي تأجيل في الوصول لأجندة مشتركات وهيكلة سياسية للقوى الديمقراطية بعيداً عن وصاية إخوة مسيلمة بالطرفين، يقود الشعب إلى تحديات مستجدة فوق مستوى التخطي والاحتمال، وسوف يرفع من طموحات طرفي النزاع لمستويات تصبح معها الخلافات الصغرى بالقوى الديمقراطية الآن مجرد مدخل للحسرة والندم بالمستقبل القريب.
(*) باحث بمركز السياسات العامة- السودان



