
هذه نصوص لا تُهادن القارئ، ولا تمنحه عزاءً سهلًا
كتابة ترى أن الأدب ليس ترفًا، بل مساءلة
وهي تجربة سردية اختارت أن تُكتب من مناطق الخطر: الجسد، الذاكرة، والسكوت الطويل
«غدًا»… هذا الغد الذي لا يأتي إلا حين نجرؤ على النظر في ما حدث
أولًا: تقديم الكاتبة
تمثل سارة حمزة الجاك صوتًا سرديًا سودانيًا يشتغل على تخوم القصة القصيرة، لكنه لا يكتفي بالبقاء داخل حدود هذا الجنس الأدبي. كتابتها توسّع القصة لتغدو مختبرًا لغويًا وفلسفيًا، حيث لا يُنظر إلى الحكي بوصفه غاية في ذاته، بل كأداة دقيقة لتفكيك التجربة الإنسانية من الداخل.
تنشغل نصوصها بأسئلة الجسد، والذاكرة، والعنف الاجتماعي، وبمناطق الصمت الطويلة التي حُوصرت فيها التجربة النسوية السودانية، لا بوصفها موضوعًا خارجيًا أو شعارًا، بل باعتبارها معيشًا يوميًا متشققًا، محمّلًا بالتوتر والأسئلة المؤجلة.
إلى جانب اشتغالها على القصة القصيرة، أنجزت الكاتبة ثلاث روايات اكتملت فنيًا، من أبرزها رواية «الأحجية: سقوط شجرة الجميز»، التي تمثل محطة لافتة في مشروعها السردي.
ثانيًا: عن المجموعة القصصية «غدًا
تأتي غدًا»كمشروع سردي متماسك، لا كمجرد تجميع لنصوص متفرقة. يتجلّى هذا التماسك في عناوين القصص نفسها، التي تعمل بوصفها مفاتيح دلالية للنصوص، مثل «وترقرقت دمعتان، خضاب من دم ,نشـيج ,أنا ودثاري، «ذات خسوف، قاطرة ,انكسار اللون الأبيض» ديناميكا الأرض. إستاتيكا الارتحال»، «اهتزاز في شبكية البصيرة، و«حوارية الحنين». هذه العناوين لا تصف الوقائع، بل تُكثّف الحالة الشعورية والفك التي تتحرك داخلها النصوص، وتكشف منذ العتبةعن عالم مأزوم، مهتز، ومعلّق بين الفقد
ثالثًا: السمات الفنية والفكرية
أبرز ما يلفت في هذه المجموعة أن الجسد يتحول إلى ساحة كتابة مركزية؛ جسد المرأة، وجسد الطفلة، والجسد الاجتماعي المثخن بالقهر، كلها أجساد تحمل آثار العنف وتعيد إنتاجه سرديًا بوصفه ذاكرة لا تُمحى. وفي هذا السياق، لا تُقدَّم المرأة كموضوع شفقة، بل كذات ساردة واعية، حتى في أقصى لحظات الانكسار.
كما يتجاور في النصوص الواقعي مع الأسطوري والصوفي، دون افتعال أو زينة لغوية، ليبني رؤية سودانية عميقة ترى الواقع طبقة واحدة من طبقات الحقيقة. أما اللغة، فهي لغة كثيفة، شعرية، ومتوترة، تقاوم القراءة السريعة، وتُجبر القارئ على التمهّل والمشاركة في إنتاج المعنى.
رابعًا: دلالات العنوان «غدًا»
لا يحيل عنوان المجموعة إلى المستقبل بوصفه خلاصًا، بل إلى تعليق الزمن وتأجيل العدالة. «غدًا» هنا سؤال مفتوح أكثر منه وعدًا، وإشارة إلى أن المصالحة مع الزمن لا تتم إلا عبر مواجهة ما حدث، لا القفز عليه
محاور مقترحة للنقاش مع الكاتبة
الكتابة بوصفها ضرورة لا شكلًا أدبيًا: إلى أي حد تفرض التجربة نفسها على القالب السردي؟
الجسد في «غدًا»: بين الشهادة على العنف وتحويل الألم إلى طاقة سردية
المرأة كذات ناطقة: كيف تشتغل الكتابة على تفكيك صورة الضحية التقليدية؟
الذاكرة: هل هي عبء سردي أم شرط لإنتاج المعنى؟
الواقعي والأسطوري والصوفي: لماذا هذا التداخل في تمثيل التجربة السودانية؟
«غدًا» كعنوان: هل هو أفق مفتوح أم تعليق أخلاقي على المدن؟

تحليل القصص المختارة من المجموعة
ذات خسوف
هذا النص يقوم على تشخيص الأشياء بوصفه مدخلًا للكشف عن ذاكرة جمعية مكسورة، حيث تتحول الأدوات الجامدة إلى كائنات واعية تحمل الذاكرة، وتتكلم بدل البشر الغائبين. الحوار ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لاستدعاء تاريخٍ محجوب، ومأساة لم تُروَ رسميًا، فاستقرت في الأشياء.
بنية النص حوارية دائرية، تبدأ من لحظة سكون خانق (الطبق الجائر، الغبار، الهجر)، ثم تتدرج نحو كشف الماضي عبر صوت النخلة، التي تؤدي دور “الشاهد الأكبر”. النخلة هنا ليست مجرد عنصر طبيعي، بل أرشيف حي، مرتبط بالنسج، والعرس، والبحر، والطقس، والمحرّم. انتقال السرد من التذمر اليومي للأشياء إلى الأسطورة يتم بسلاسة، دون فاصل حاد، ما يجعل الواقعي والخرافي في مستوى واحد من التصديق.
الزمن في النص غير خطي. الحاضر راكد، متكلس، بينما الماضي هو الفاعل الحقيقي. الفقد لم يُغلق، لذلك بقيت الطقوس معلقة: الجرتق لم يتم، الصندل جف، المحلب فسد، والسبحة تكتفي بالطقطقة كإنذار أخلاقي ووجودي. كل شيء في حالة انتظار، وكأن الزمن توقف عند لحظة الخطف.
الأسطورة (الحوريات، التمساح، الخسف) ليست للزخرفة، بل تؤدي وظيفة تفسيرية: المجتمع يبرر الفاجعة عبر الغيب، ثم يحوّلها إلى لعنة اجتماعية (المقاطعة، التحريم، الهجر). هنا يظهر البعد النقدي للنص: كيف يُعاقَب المكان والأشياء بدل مواجهة الجرح، وكيف تتحول الخرافة إلى نظام اجتماعي قاسٍ.
اللغة كثيفة، حسّية، تعتمد على الروائح والألوان والأصوات أكثر من السرد المباشر. اللون الأحمر، العطر، الطقطقة، الغبار، كلها إشارات إلى الحياة حينًا وإلى الخمود حينًا آخر. التحول في النهاية (خسف القمر، اخضرار الجرائد، عودة الرائحة) يمثل كسرًا للدائرة، لكنه ليس خلاصًا كاملاً، بل فسحة مؤقتة.
الخاتمة لا تُنهي المأساة بقدر ما تعيد فتح الإمكان. عودة اللون والرائحة والحركة توحي بأن الذاكرة لا تموت، وأن الأشياء قد تستعيد معناها حين ينكسر الحظر، ولو بفعل كوني لا بشري. النص إذن لا يحتفي بالفرح، بل بفكرة أن الركود ليس أبديًا
النص ممتع ومشاكس، فيه روح حكاية تُروى همسًا بين الأشياء حين يغيب البشر. الحوار جاء حيًّا، فيه سخرية خفيفة وحزن قديم، وكأن الأدوات تحفظ الذاكرة أكثر ممن تركوا المكان. أعجبني كيف تحوّلت الروائح، والألوان، والطقطقة، إلى أصوات شعورية، لا مجرد أوصاف.
فيه شجن واضح لكن بلا مباشرة، والأسطورة منسوجة بسلاسة داخل اليومي، فلا نشعر بالقفز ولا بالافتعال. النهاية تحديدًا جميلة، تعطي إحساس الانفراج بعد طول اختناق، وكأن الأشياء نفسها تنفست أخيرًا.
نص يُقرأ بابتسامة مشوبة بالأسى، ويترك في النفس أثر حكاية سمعناها ليلًا ولم نرد أن تنتهي
حوارية الحنين
هذا نص يُقرأ بهدوء، كما يُستمع إلى الذكر في آخر الليل.
لا يطلب منك أن تُفسِّر ما يحدث، بل أن تُصغي.
في «حوارية الحنين» لا تتقدّم الحكاية، بل تدور. كل شيء فيها دائري: المسبحة، حركة النمل، إناء الحليب، مسار النهر، وحتى الحضور والغياب. كأن الزمن نفسه يتعلّم من هذه المرأة كيف يكون رحيمًا، وكيف يمرّ دون أن يجرح.
المبروكة لا تتكلم كثيرًا، لكنها تعرف. تعرف متى تكتفي بالصلاة، ومتى تصغي إلى النمل، ومتى لا تسأل عن مصدر الحليب. لا فضول عندها إلا فضول المحبة. كل ما يأتيها يأتي لأنها في موضعه الصحيح من العالم، لا لأنها طلبته أو استحقته.
الجميل في هذا النص أن الإيمان ليس بطولة، ولا الكرامة استثناءً. الزلزال لا يُهزم بالقوة، والسيل لا يُقاوَم، لكن البيت ينجو لأن ساكنته لم تكن خارج الإيقاع. هي لم تتحدَّ الطبيعة، بل أنصتت إليها. النمل يغيّر اتجاهه، الصوت يأتيها مألوفًا، والبيت العتيق يعرف متى يبقى ومتى يذوب في النهر.
حتى النهاية لا تأتي كفاجعة. المبروكة لا ترحل، بل تدخل. لا تودّع، ولا تحمل متاعًا. تترك النخلة تذبل، والدار تُمحى، لكن الأثر يبقى. من يشرب من ماء المكان يشمّ رائحة العتق، كأن الذكر نفسه تسرّب إلى النهر.
هذا نص عن الإقامة في العالم دون صخب.
عن امرأة لم تغيّر الكون، لكن الكون احترم موضعها فيه.
وعن حنين ليس ضعفًا، بل طريقة أخرى للفهم
حوارية الحنين
البنية السردية
تُبنى القصة على سرد دائري يحاكي فعل التسبيح نفسه؛ لا بداية حادة ولا نهاية فاصلة، بل حركة دائمة بين الداخل (الغرفة العتيقة) والخارج (النهر/الزلزال/السيل). صوت الساردة (المبروكة) يتجاوز الفردي ليغدو وعيًا كونيًا يتعامل مع العالم عبر الذكر والحدس
الرموز المركزية:
المسبحة جهاز إيقاعي يربط القلب بالعالم؛ والنخلة ذاكرة/بركة تمتد إلى المدينة المنورة وإرث الزوج/الشيخ؛ والنمل نظام خفي وحكمة صامتة؛ والحليب (ناقة صالح) عطاء غيبي غير مشروط يكرّس معنى الكرامة دون ادعاء.
الثيمات:
الحنين هنا طاقة روحية لا نوستالجيا؛ والتديّن عميق وغير مؤدلج يقوم على علاقة مباشرة بالغيبي؛ والحدس الأنثوي يتحول إلى معرفة منقذة للجماعة (الإنذار بالزلزال والسيل).
دلالة النهاية:
ذوبان البيت في النهر وبقاء «رائحة العتاق» يرسّخ أن القداسة ليست في بقاء المادة بل في أثرها؛ وأن المكان قد يفنى، بينما تبقى البركة علامة في الذاكرة واللغة.




