تقارير

السودان.. تصعيد ميداني وتسليح باكستاني وتحركات إقليمية ودولية على وقع حرب مفتوحة

تقرير - رشا رمزي

تتسارع تطورات المشهد السوداني على أكثر من محور، في وقت تتداخل فيه العمليات العسكرية مع الإجراءات الأمنية الداخلية، وتتوسع ارتدادات الحرب خارج الحدود، بينما يعود السودان تدريجيًا إلى دائرة الاهتمام الدولي. صورة مركبة تتجاوز خطوط القتال المباشرة، وتكشف عن حرب تتغذى على تشابك داخلي وإقليمي ودولي معقّد.

في ولاية سنار، أعلنت الخلية الأمنية المشتركة اعتماد حزمة إجراءات جديدة لتعزيز الرقابة، عقب الهجوم الذي استهدف مدينة سنجة بطائرة مسيّرة. ووفق بيان صدر في 17 يناير 2026، فإن هذه الخطوات تهدف إلى دعم الاستقرار عبر تنظيم المتابعة الميدانية وتشديد الضوابط على الأنشطة السكنية والتجارية. وجاء الإعلان بعد هجوم وصفته الخلية بأنه الأول من نوعه منذ أكثر من ستة أشهر، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بعد استهداف مواقع داخل المدينة من بينها مقر الفرقة 17 مشاة. وتضمنت الإجراءات مراجعة أوضاع مستأجري العقارات، والتحقق من مستندات الهوية، وتنفيذ حملات تفتيش دورية لضبط الأسواق وملاحقة الأنشطة غير القانونية، مع التأكيد على استقرار الأوضاع الأمنية في محليات الولاية المختلفة، ودعوة المواطنين إلى التعاون والإبلاغ عن أي خروقات.

وبينما تسعى السلطات المحلية لاحتواء التهديدات الأمنية، تتواصل المعارك على نطاق أوسع في ولايات أخرى. فقد أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة الدنكوج بولاية شمال كردفان، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية لوقوعها شمال مدينة الأبيض وعلى خطوط تماس رئيسية.

 وبثت منصات تابعة للدعم السريع مقاطع مصورة تؤكد إحكام السيطرة على المنطقة، في حين لم يصدر تعليق رسمي من الجيش السوداني حتى الآن، ما يترك المشهد مفتوحًا على احتمالات تصعيد جديدة في واحدة من أكثر الجبهات حساسية.

طائرة F16

في السياق ذاته، شكّل مقتل علي ديدان، أحد أبرز الوجوه المتشددة المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، حدثًا لافتًا تجاوز كونه تطورًا ميدانيًا. ديدان، الذي قُتل في مواجهات بجنوب كردفان، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل شخصية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل وتشغيل كتائب متشددة تقاتل إلى جانب الجيش، وأشرف على تشغيل الطائرات المسيّرة في ولايات كردفان. طريقة نعيه، والبيانات الصادرة من تنظيمات محسوبة على الحركة الإسلامية، أعادت طرح أسئلة عميقة حول مدى تغلغل التيارات المتشددة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وحول طبيعة الحرب نفسها، بوصفها صراع نفوذ يُدار من داخل مؤسسات الدولة، رغم النفي الرسمي المتكرر لذلك. ويرى محللون أن الحدث كشف عن تداخل خطير بين العمل العسكري والولاء الأيديولوجي، بما يضع مستقبل الصراع أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا.

ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود السودان. فقد أعلنت الحكومة التشادية مقتل سبعة من جنودها في اشتباكات شرق البلاد، محمّلة أطرافًا مرتبطة بالنزاع السوداني مسؤولية الهجوم. واعتبرت نجامينا ما جرى انتهاكًا صريحًا لسيادتها، ملوّحة برد مباشر على أي خرق جديد، في وقت أكدت فيه تمسكها بموقف الحياد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

الجيش السوداني

وأشارت السلطات التشادية إلى تكرار اختراق المجال الجوي خلال الأشهر الماضية، وسط قلق متزايد من انتقال الصراع عبر الحدود الممتدة لأكثر من 1400 كيلومتر، خاصة مع استضافة البلاد مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين.

على الضفة الأخرى، عاد السودان إلى الواجهة الدولية من بوابة المجتمع المدني. ففي لندن، انطلقت فعاليات مؤتمر التضامن العالمي مع السودان 2026، بمشاركة منظمات مجتمع مدني ونقابات أوروبية ونشطاء سودانيين في المهجر. المؤتمر سعى إلى إعادة الحرب السودانية إلى الأجندة الدولية، وربطها بسياقات أوسع تشمل مناهضة الحروب والعنصرية عالميًا، والدعوة لوقف دعم الأطراف المتحاربة وفتح ممرات آمنة للاجئين. ويؤكد منظمو المؤتمر أن الحرب ليست أزمة معزولة، بل نتيجة مباشرة لمسار الثورة المضادة وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية.

في موازاة ذلك، أثارت تسريبات عن صفقة أسلحة محتملة بين السودان وباكستان، تُقدّر قيمتها بأكثر من مليار ونصف المليار دولار، جدلًا واسعًا. ورغم غياب التأكيد الرسمي، أعادت هذه الأنباء طرح تساؤلات حول العلاقة بين التسليح واستمرار الحرب. في المقابل، يرى آخرون أن تقوية الجيش وتطوير قدراته مسار عسكري تقني لا يتعارض بالضرورة مع جهود السلام، بل يُقدَّم بوصفه جزءًا من منطق الردع والاستعداد، بغض النظر عن مسار التسوية السياسية.

وعلى المستوى الإقليمي، تتقاطع تطورات السودان مع تحركات دبلوماسية أوسع، إذ تجري مباحثات سعودية أميركية لوضع برنامج أمني مشترك يعزز الاستقرار في البحر الأحمر، ويتناول أيضًا مسارات إنهاء النزاع في السودان. هذه التحركات، التي تحظى بدعم من الإدارة الأميركية، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخليًا، بل عنصرًا مؤثرًا في معادلة أمن إقليمي أوسع.

في المحصلة، يبدو السودان اليوم ساحة تتقاطع فيها الجبهات العسكرية مع الأمن الداخلي، وتتداخل فيها الولاءات الأيديولوجية مع مؤسسات الدولة، بينما تتوسع ارتدادات الحرب إقليميًا ودوليًا. مشهد يؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد صراع مسلح، بل اختبارًا مفتوحًا لمستقبل الدولة وحدودها، ولمدى قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع حرب تتشابك فيها المصالح وتتعقد فيها مسارات الخروج.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى