يطل شهر رمضان المبارك على السودان هذا العام ليعمق جراح شعب لم يسترح من ويلات الموت والنزوح منذ أكثر من ألف يوم حيث تضاعفت مآسي المسبغة والجوع وتشردت ملايين الأسر في أكبر أزمة لجوء إنساني يشهدها العالم المعاصر وبينما كان ينتظر السودانيون أن يكون هذا الشهر الفضيل فرصة لالتقاط الأنفاس ووقف نزيف الدماء لا يزال صهيل الحرب يعلو فوق كل نداءات العقل وسط تزايد مخيف في انتهاكات حقوق الإنسان التي حذر منها الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش مؤكداً أن المساءلة ستطال المتورطين في جرائم الفاشر وغيرها من المدن المنكوبة التي باتت مسرحاً لصراع إقليمي ودولي مدفوع بتدفق السلاح من أكثر من 12 دولة لتتحول الأرض السودانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية على حساب دماء الأبرياء.
إن قراءة المشهد السياسي الراهن تكشف عن تصدعات عميقة في بنية المعسكرات المتصارعة ففي بورتسودان يطل الفساد برأسه في صراعات الملفات والاتهامات المتبادلة بين كبار التنفيذيين وعبر “حرب الوثائق” المسربة من وزارة المعادن وغيرها التي فضحت استغلال موارد البلاد في ذروة الأزمة كما أن الحديث عن تشكيل مجلس تشريعي في غرف مغلقة أدى إلى انقسامات حادة داخل الكتلة المساندة للجيش كما تفجر صراع الأجنحة حول تكلفة ترميم جسر الحلفايا وإيجارات المقار الوزارية بالعملة الصعبة في وقت يعاني فيه الجندي والمواطن من أبسط مقومات الحياة وزاد من تعقيد المشهد التصرفات المستهترة لبعض قادة الكتائب المتطوعة تجاه قيادات ميدانية أخرى مثل كيكل مما ينذر بتفكك الجبهة الداخلية وغياب المركزية في صناعة القرار.
وفي المقابل الآخر لم تفلح “حكومة السلام” التي شكلها تحالف “تأسيس” بقيادة الدعم السريع وحلفائه في انتزاع أي اعتراف دولي أو إقليمي وبقيت مجرد هيكل سياسي عاجز عن ممارسة مهامه التنفيذية أو توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين في مناطق سيطرتها مما يثبت أن الحلول الأحادية وصيغ فرض الأمر الواقع لا تزيد الأزمة إلا تعقيداً.
إن استمرار التعويل على الحسم العسكري في ظل هذه التقاطعات الدولية الكثيفة التي تربط حل النزاع بمصالحها الخاصة يعني المضي قدماً نحو الانهيار الشامل للدولة السودانية وتمزيق نسيجها الاجتماعي للأبد.
إن قدسية شهر رمضان تفرض على كافة الأطراف مراجعة أخلاقية ووطنية شاملة للتوقف عن المغامرة بمصير البلاد فالشعب الذي فقد مصانعه ومدارسه وموارده لم يعد يملك رفاهية الصبر على صراعات السلطة والمحاصصات الحزبية والقبلية الضيقة.
إن المطلوب اليوم هو إعلاء صوت الحكمة وفتح الممرات الإنسانية وتجميد كافة العمليات العسكرية كبادرة حسن نية لتكون حرمة الشهر الفضيل طوق نجاة للسودان من منزلق الفوضى الشاملة والفساد الذي استشرى في مفاصل القرار حتى يعود للسودانيين صومهم بلا صوت للمدافع وبلا خوف من مجهول يتربص بهم عند كل إشراقة فجر.