مقالات

مؤانسة رمضانية (22)

فيصل محمد صالح 

وقائع جبل مويا

مهند الدابي كاتب شاب طموح، وصاحب مشاريع متعددة في الكتابة والعمل الثقافي. صدرت له أكثر من رواية ومجموعة قصصية، منها رواية «سحرة الضفاف» (2014)، و**«هوج النيازك» (2016)**، ورواية «أطياف هنري ويلكم» (2018)، ثم رواية «وقائع جبل مويا» (2020) التي فازت بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي.

وبجانب نشاطه الكتابي أنشأ مؤسسة نيرفانا الثقافية بطموح أن تضم دار نشر ومكتبة، وترعى الأنشطة الثقافية المتعددة.

نستعرض هنا روايته «وقائع جبل مويا»، وهي الرواية الثانية ضمن ثلاثية تتابع وتحكي قصة وجود الباحث والطبيب ومنقّب الآثار هنري ويلكم في السودان، وفي منطقة جبل مويا تحديدًا.

صدرت الرواية الأولى تحت عنوان «أطياف هنري ويلكم»، أما الرواية الثالثة ـ التي لا أعلم إن كانت قد صدرت حتى الآن أم لا ـ فتحمل عنوان «السرايا الصخرية».

تُعد «وقائع جبل مويا» محاولة أدبية لتوثيق وتحليل حقبة تاريخية مهمة في السودان، ممزوجة بالخيال والسرد التاريخي الدقيق. تتناول الرواية تاريخ منطقة جبل مويا العريق، الذي يمتد إلى ما قبل التاريخ، مع التركيز على فترة التنقيب عن الذهب والمعادن في بداية القرن العشرين التي قام بها المستكشف والباحث الطبي هنري ويلكم. كما تبحث في أسرار الضحايا من السكان المحليين الذين ماتوا إما بسبب ظروف العمل القاسية في المعسكر، أو لأنهم استُخدموا كفئران تجارب في المعمل الذي أنشأه ويلكم.

مزجت الرواية بين الوقائع التاريخية والسرد الروائي الممتع، ومن الواضح أنها نتاج معايشة وبحث طويلين للكاتب في هذه الوقائع وفي تاريخ المنطقة. وقد استطاع أن يقدم هذا المزج بطريقة مشوقة وجاذبة، لا تجعل من الرواية مجرد حصة تاريخ.

يتابع الكاتب قصة حياة موسى الذي هاجر بأسرته من منطقة «الخرابات» بعد غرق ابنه الأكبر إسحاق في النهر. كره المنطقة وتشاءم منها، فقرر الهجرة إلى هذه المنطقة، حيث استقبله الأهالي، وفي فترة قصيرة صار جزءًا منهم. كان لموسى طفل صغير هو جلال، اعتبره تعويضًا من الرب عن رحيل الابن الأكبر، لذلك جعله محور حياته، وكان همه الأكبر أن يبعده عن المخاطر والمغامرات.

تحكي الرواية الحياة الهادئة للقرية، وعلاقاتها ومشاكلها البسيطة، وتطوف بين شخصياتها: العمدة، والفكي نقريط الجبل، وحليبي الأمهق «ابن الحور كما يسميه الناس»، والطاهر ود المريود، وشامة زوجة موسى. يعمل أهل القرية بالزراعة والرعي، ويذهبون إلى المدينة أحيانًا لبيع منتجاتهم وشراء احتياجاتهم.

تتغير حياة الناس في القرية بعد وصول البعثة الإنجليزية إلى أعلى الجبل، حيث أقاموا هناك وبدأوا نشاطًا لا يعرف الأهالي طبيعته. ثم التحق المئات من أبناء القرية بالعمل مع البعثة، فتغيرت حياة الناس وفقدوا بساطتهم الأولى، وعرفوا أنواعًا من المشكلات لم يعهدوها من قبل.

انتشرت أمراض غريبة، وصار الأطفال والشباب يختفون دون أن يعلم أحد أين ذهبوا، وتهامس الناس عن وجود مقابر جماعية في بعض مناطق الجبل.

في النهاية يخسر موسى رهانه في إبقاء ابنه جلال بعيدًا عن المشكلات وعن الجبل، ويرضخ لرغبة ابنه في العمل مع البعثة. لكن جلال، مثل غيره، يروح ضحية لمرض غريب أخذ من صحته وجسده يومًا بعد يوم حتى تلاشى.

لم أقرأ الرواية الأولى ولا الثالثة من هذه السلسلة، ولكن انطباعي أن هناك ترابطًا بين الروايات الثلاث، وأن الصورة العامة لن تكتمل دون قراءة السلسلة كاملة.

ولكن من هو هنري سولومون ويلكم؟

وُلد هنري ويلكم عام 1853 وتوفي عام 1936، وهو أمريكي-بريطاني. كان رجل أعمال وعالمًا في مجال الأدوية، ومؤسس شركة أدوية كبيرة أصبحت لاحقًا أساس مؤسسة Wellcome Trust. وكان مهتمًا أيضًا بالآثار والتاريخ والبحث الطبي، ومول العديد من المشاريع العلمية في أفريقيا والشرق الأوسط.

وصل ويلكم إلى السودان في 26 يناير 1911، واهتم بدعم البحث الطبي هناك. وقد ساعد في إنشاء مختبرات أبحاث الأمراض المدارية في الخرطوم ومعمل ستاك، وساهم في إنشاء كلية كتشنر الطبية (التي أصبحت لاحقًا كلية الطب بجامعة الخرطوم). كما أظهر اهتمامًا بالآثار السودانية، وقام بتمويل بعثات تنقيب أثرية كبيرة أرسلت ما عثرت عليه إلى أوروبا.

أقام هنري ويلكم في منطقة جبل مويا التي تقع جنوب شرق الخرطوم بنحو 250 كيلومترًا، حيث أقام معسكره فوق الجبل وبنى لنفسه قصرًا ومعملًا طبيًا.

استمرت أعمال التنقيب بين عامي 1911 و1914، وتم خلالها اكتشاف أكثر من 3000 قبر بشري في الموقع، وهو أحد أكبر مقابر الرعاة القديمة في أفريقيا جنوب الصحراء. ويحتوي الموقع على آثار تعود تقريبًا إلى الفترة بين 5000 قبل الميلاد و500 ميلادية، كما عُثر على أدوات حجرية وفخار وآثار تدل على وجود طرق تجارة قديمة تربط المنطقة بمصر ومناطق أخرى.

لم يكن المشروع مجرد تنقيب أثري، بل أقام ويلكم معسكرًا كبيرًا في المنطقة، ووظّف مئات العمال المحليين في مشاريعه، وأنشأ قرية نموذجية تضم مسجدًا ومدرسة وخدمات طبية وصحية وخزان ماء لخدمة القرى المجاورة. كما قام ببناء طرق صغيرة ومشاريع زراعية حول المعسكر، حتى أطلق عليه السكان المحليون لقب «الباشا».

توقفت أعمال التنقيب في عام 1914 بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، ولم يعد ويلكم إلى السودان بعد ذلك، رغم احتفاظه بحقوق التنقيب حتى وفاته. وهناك كتابات كثيرة عن ظروف العمل القاسية في المشروع، حيث كان العمال يعيشون في معسكر كبير، وقد حدثت أمراض ووفيات بينهم بسبب البيئة والأوبئة المنتشرة آنذاك.

ويذكر بعض الباحثين في تاريخ الطب الاستعماري أن الأبحاث الطبية في مجال طب المناطق الحارة التي أجراها ويلكم في تلك الفترة استخدمت السكان المحليين، وخاصة الأطفال، كمصادر للعينات الطبية أو للدراسة السريرية. وفي بعض الحالات تم اختبار أدوية أو طرق علاج للأمراض المدارية على المرضى المحليين، ومات منهم كثيرون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع