مقالات

عبد الله يونس.. الصورة تتكلم (قووون)

​محمد عبد الماجد

كان يكفي أن تجد أمام الصورة مكتوباً (تصوير: عبد الله يونس) لتشعر بالألفة والأنس، فقد كانت في صوره (محبة)، و(حركة)، و(حيوية)؛ كان يعتني بالتفاصيل الدقيقة في زمن كانت الصورة تمثل فيه الدليل واليقين والثابتة.

​كانت الصحف عندما تريد أن تغري القراء تقول لهم: “بالصورة والقلم”، وكان ذلك أقصى غاية الكرم من الجرائد في الإفصاح والإغراق بالمعلومة.

دنيتنا كانت عبارة عن فنجان قهوة، وجريدة، وكتاب تتبادله الدفعة كلها في الإجازة المدرسية.

​لم نكن وقتها نحمل غير الحب ولا نعرف غير التسامح والنوايا السليمة.. عبد الله يونس يمثل عندي النية الصافية في الصحافة السودانية، نيته الصافية تنعكس في صفاء (صورته).. ونقاء صورته كنقاء سريرته.

السعداء هم الذين صرف الله لهم رزقهم في إسعاد الناس، وصورة يونس كانت تسعدنا، وزاويته كانت تخصنا.

​ذلك الزمن كانت فيه (الصورة) قمة الحقيقة ومنتهى الإشباع المعرفي؛ لم يظهر وقتها غوغل واليوتيوب وفيسبوك وواتساب وإنستغرام والذكاء الاصطناعي، كانت الجماهير تنتظر الصحف في اليوم التالي لترى صورة المباراة أو صورة صاحب الهدف، وكأنها بذلك شاهدت الهدف؛ لذلك كانت أسماء عبد الله يونس، ويحيى شالكا والمصري وعباس عزت، وجاهوري ومحمد دفع الله وعصام الحاج في الأحداث الكبرى مثل الجنيه الذهب.

​الصورة في ذلك الزمن غنى لها وردي (توعدنا وتبخل بالصورة) من كلمات الحلنقي، وغنى لها عبد العظيم حركة من كلمات هلاوي (والصور العندي شيلها)، وغنى لها عبد الله البعيو من كلمات حسن الزبير (صورتك الخايف عليها)، وغنى لها زيدان إبراهيم من كلمات جعفر محمد عثمان (وسط الزهور متصور)؛ الصورة كانت عزيزة قبل أن يظهر الموبايل ويجعل في (السيلفي) صورة كل لحظة.

​عبد الله يونس لم يكن في حاجة لكي يقول لمن يصوره: “ابتسم الصورة تطلع أحلى”، كان الذين يصورهم يبتسمون لرؤيته، كانت فيه تلك الأريحية وذلك اللطف؛ لا يتحدث كثيراً لأن صورته هي التي تتحدث، لا يظهر لأنه كان دائماً خلف (عدسته) متوارياً من أجل (اللقطة) الساحرة.

​عبد الله يونس كان هلالابياً جميلاً، تجده في تمرين الهلال، وفي المطار عند استقبال محترف جديد، وفي المباريات، والمؤتمرات الصحفية، يحمل شنطته بأناقته المشهودة وكاميرته التي يسبق بها الحدث.

​بالأمس نعى الناعي عبد الله يونس الذي رحل في القاهرة، بعيداً عن الوطن، كعادة الذين يرحلون في هذه الأيام فيضاعفون وجعتنا.. هو أحد شهود العصر، أحد الذين خدموا الوطن في صمت بعد أن وثق للأحداث ورحل.

​اللهم ارحمه واغفر له، فقد كان عبدك عبد الله يونس سمحاً في كل شيء، يمشي بين الناس بالحب، لا تسمع له صوتاً ولا ترى منه غير الصورة الجميلة.

اللهم ارحمه واغفر له وأسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والأنبياء والشهداء، يرفل في فيض رحمتك وينعم بطيب جنانك، ويحيا في ظلالك يوم لا ظل إلا ظلك.

​ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع