
في رواية المقادير الكبرى، لا تسقط طائرة عسكرية من طراز F15 في عمق الأراضي الإيرانية لمجرد عطل فني أو اختراق دفاعي، بل تسقط لتكون “عنصراً كيميائياً” إضافيا يُلقى في بوتقة هذا الصراع المحتدم، ليعيد ترتيب نسب الوعي والذهول لدى قادته.
إن حدث اليوم، المتمثل في “النجاح” الأمريكي في إنقاذ الطيار الثاني من قلب العرين الإيراني، ليس نصراً استراتيجياً كما يروج المزهوون بقوة النيران، بل ربما هو “جزرة مسمومة” رمت بها السماء لتمتحن بصيرة المقتول قبل أن يباغته الصياد.
إن “المنطق البشري” الغارق في المنام علي مخدات رقمية وثيرة، يرى الي الآن علي الأقل في إنقاذ الطيار الثاني برهاناً على تفوق التكنولوجيا وبراعة الاستخبار.
لكن “منطق السنن الكونية” يخبرنا بغير ذلك؛ فما هذا النجاح إلا “جرعة تخدير قدرية”.
لو أن عملية الإنقاذ هذه قد فشلت، ربما استيقظت حاسة الحذر لدى هؤلاء القادة ليتراجعوا عن الهاوية.
بيد أن القدر، بكيده المتين، منحهم الآن نصرا جزئيا ليربط على قلوبهم بوهم لا ملموس، كي يندفعوا نحو المقامرة الكبرى بجرأة غافلة.
هكذا “يقللهم في أعينكم” في معادلة الاستدراج.
اذ نحن في هذا الواقع أمام مشهد قرآني بامتياز يقول: (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا).
لقد تضاءل الخصم الإيراني في عين واشنطن بعد “نجاح” هذا الاختراق، وتضاءلت الهيبة الأمريكية في طهران بسقوط طائرتها “الأيقونة”.
هذا “التقليل المتبادل” هو الوقود الذي يغذي هذه “البوتقة”؛ حيث يظن كل طرف أنه يمسك بزمام الأعنة، بينما هم جميعاً مُساقون في الحقيقة إلى ميعادٍ لو تواعدوا عليه لاختلفوا فيه.
وبطبيعة الحال عندما يكون الكيد متيناً جداً، تصبح الأقدام التي تزهو ببراعتها هي ذاتها التي تغوص عميقاً في مستنقع “الوحل”.
وبالتالي فإن عملية إنقاذ الطيار الأمريكي الثاني اليوم لم تكن خروجاً من المأزق، بل هي “تثبيت للغوص” فيه.
فقد أصبح الطرفان الآن مرتهنين لحدث واحد؛ هذا ينفيه وذلك يؤكده، لكن الأهم هو أن لا أمريكا تملك التراجع بعد أن تذوقت حلاوة الاختراق، ولا إيران تملك الصمت بعد أن تجرعت مرارة الاستباحة.

