سؤالٌ مُزعج تبادر إلى ذهني وظنوني التي أتمنَّى أن تكون آثمة، إذ إن بعضَ الظنِّ إثم: هل التغيّرات الأخيرة في قيادات الجيش السوداني التي استبعدت أبرَز وجهين يُعبِّران عن الغَرب التقليدي بشكله الكبير (كردفان ودارفور) كباشي وإبراهيم جابر؛ هل هي تغيّرات لتجهيز أو إعداد السودان للانفصال الآخر؟ حتى يتثنَّى لأسلاميي الشمال النيلي الانفراد بالسلطة فيما تبقَّى من جَسَدِه الواهن؟.
هل هناك تفاوضٌ واتّفاقٌ سريّ بين أطراف داخلية وخارجية، أم بين إسلاميي الشمال النيلي وإسلاميي الغرب، وهذه التَغَيُّرات هي تمهيدٌ للتقسيم؟.
إذا كان لحملة محمد علي باشا التأثير الكبير في تقسيم السودان اجتماعيَّاً، جغرافيَّاً إلى شمالٍ وجنوب، إذ أنها، أي حملة محمد علي باشا:
1- قَضَت على الحكم المحلي (السلطنة الزرقاء ومركزها سنار في جنوب النيل الأزرق، وسلطنة دارفور في غرب السودان).
2- أَرجَعَت المركز السياسي لما كان عليه قبل سقوط الممالك النوبية.
3- اعادت تقسيم السودان اجتماعيَّاً بناءاً على الغرض من هذه الحملة التي أحد أهدافها -إن لم يكن أهمّها- هو بناء جيش من الرقيق لتدعيم وتقوية جيش الإمبراطورية العثمانية في شمال إفريقيا ومنطقة الشام، مما سَاهم أو أسَّس لتجارة رقّ على خلفيات جغرافية دينية (شمال/ جنوب)، فكان التحالف بين الأتراك وقبائل الشمال النيلي المسلم ضدَّ الجنوب السوداني الكبير، إذ أنها -حملة محمد علي- لم تكن مجرَّد غزوٍ عسكري، بل كانت إعادة هيكلة عنيفة للسلطة والثروة حوَّلت السودان إلى مستعمرة اقتصادية، فانتهجت سياسات استنزاف بشريّ، وإعادة توزيع ولاءات أدت إلى التالي:
1- صعود نخب من الشمال النيلي ذات ولاء للحكام الجدد.
2- مجتمعات خاضعة للاستعمار التركي مقابل السلام والاستقرار والهروب من العبودية.
3- تَخَلَّقت مجتمعات أكثر تشظِّياً، وزَرَعت بذور الفِتَن وحروبات أهليّة جغرافية (جهوية) طويلة.
ما زالت ظلالها وظلماتها تغطّي المشهد الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي والسياسي حتى يومنا هذا، ولم تنتهِ فقط باستقلال جنوب السودان، بل ما زالت جبال النوبة والنيل الأزرق، “الجنوب السوداني الجديد” يُعاني، ويَرزَح تحت وطئة تلك الظلمات ويَدفَع ثمن ذلك التشظّي القبلي، الجغرافي، الثقافي.
فبالنظر للحرب الدائرة الآن بين الجيش وقوات الدعم السريع، نجد أنها، ومنذ البداية، قُرِأت على نطاق واسع في السودان من خلال عدسة الانقسام التاريخي بين أولاد البحر وأولاد الغرب، خاصَّة من جانب الجيش ومن يتمَترَس داخله وخلفه من كيزان إسلاميي الشمال النيلي ومؤيِّديهِم (البلابسة)؛ ونَفهم أن ورقة أولاد البحر وأولاد الغرب -بالنسبة لإسلاميي الشمال النيلي- كانت، باستمرار، حاضِرة في مؤامَرَاتِهم للحفاظ على السلطة.
في البدء كان تقسيم الغرب إلى “عرب وزرقة” للقضاء على حركات المقاومة ضد تسلّط الإسلاميين، خاصة بعد أن تم استنزاف الجيش السوداني في حروب الجنوب التي نَشَبَت ونَهَشت بنية قوّته العسكرية منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى استقلال الجنوب، الجنوب السوداني الذي لم يَنجُ من التقسيم القبلي بوساطة الجيش السوداني، وما زال يعاني من ذلك التقسيم حتى بعد استقلاله بدولة منفصلة.
توجَّهت أنظار نخبة إسلاميي الشمال النيلي إلى الغرب للحفاظ عليه، بالأحرى “على مَوَارِده”، بكل السبل؛ تحديداً بعد خروج أو تَسرَّب موارد الجنوب من بين أيديهم، ولمَّا كانت فكرة زراعة المليشيات القبلية هي السائدة في معامل الجيش السوداني ونخب الشمال النيلي من أجل البقاء في السلطة بعد فقدان الجيش للكادر البشري الذي غالبيته العظمى من مناطق الهامش بسبب طول الحروبات، أو فقدان تلك الطاقات البشرية لمصلحة حركات الهامش؛ فكان الحصاد، وبعد مراحل طويلة، هو قوات الدعم السريع التي تَنحَدِر قياداتها من القبائل العربية وتحديدا الرزيقات.
الجيش السوداني
وتقليدياً هو المعقل أو الحديقة الأمامية “لأولاد البحر” الذين هم سكان الحضر والريف الزراعي على النيل، وارتبطوا تاريخياً بالتجارة والتعليم والمناصب الحكومية الموروثة من الاستعمار التركي (هنالك مثل سوداني شائع له دلالاته: التُّركي ولا المُتُورِك). أما “أولاد الغرب”، الرعاة الرحّل المحاربين بالفطرة، عطفاً على النمط الاقتصادي السائد؛ فارتبطوا بالجُندية والحرب، وبَرَزَ ذلك بشكل جَلي في دعمهم وانضمامهم للمهدي بأعدادٍ كبيرة في حربه ضدَّ الحكم التركي، فكانوا عَظْم الظهر لجيش الدولة المهدية، مما سيؤدي لاحقاً إلى انقسام عميق سيؤثّر سلباً على تماسك الدولة المهدية، وسيمتدُّ ذلك التأثير عميقاً في تركيبة السودان الاجتماعية، السياسية والاقتصادية، خاصّة بعد رحيل الإمام محمد أحمد المهدي، وصعود الخليفة عبد الله التعايشي الذي وَجَدَ مقاومة من نخبة الشمال النيلي، فتمدَّد هذا التأثير وصار الجذر الأساسي لهذا الانقسام الذي تَمَظهَر بشكله العنيف في حادثة “المتمّة ومقتل عبد الله ود سعد”، ومجموعة كبيرة من الجعليين في العام (1897)، ومن ثم ترحيل من تبقى منهم -الجعليون- قسراً، بعيداً عن موطنهم أو إلى أم درمان، خوفاً من دعمهم أو انضمامهم لحملة المُستعمر بقيادة كتشنر.
هذه الحادثة مزَّقت النسيج الاجتماعي، وزرعت بذور عداء تاريخي سيؤدّي لاحقاً إلى فروقات شاسعة، اقتصادية تنموية واجتماعية، بين المركز تحت قيادة نخب الشمال النيلي “أولاد البحر”، والغرب العريض.
فسياسات التهميش المُمَنهج التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال جعلت من “الغرب” منطقة مستبعدة تنموياً، مما سهَّل استقطاب أبنائها في مليشيات مسلحة كبديل عن التنمية والخدمات، خاصة وسط القبائل الرعوية والرحل. هذه الفجوة صارت هي وقود تعميق الانقسام وصبّ الزيت في نار العداوة التاريخية، حيث لا يكاد الخطاب السياسي وحتى الاجتماعي في السودان يخلو من استصحاب هذه المصطلحات، خاصة في التنافس على السلطة/ الموارد حتى داخل التنظيم السياسي الواحد، ويكون أكثر وضوحاً وشدة في أوقات الحرب.
بالرجوع لهذه الخلفية التاريخية، يظل السؤال الذي قفز إلى ذهني وأَثَار ظنوني: هل التغيُّرات الأخيرة في الجيش السوداني، تجهيز أو إعداد السودان للانفصال الآخر؟ حتى يتثنّى الإسلاميي الشمال النيلي الانفراد بالسلطة فيما تبقَّى من جسد السودان الواهن؟ أم أن هناك تفاوض واتفاق سرّي بين أطراف داخلية -إسلاميو الشمال النيلي واسلاميو الغرب- وأطراف خارجية من التنظيم العالمي للأخوان المسلمين ودول الجوار؟ وما هذه التغيرات في تركيبة قيادة الجيش إلا مجرد تمهيد؟
هل انتهج إسلاميو الشمال النيلي وإسلاميو الغرب نهايات لعبة الحريق التي يقوم فيها آخر طرفين تبقيا في طاولة اللعبة بتقسيم الغنيمة؟
تظل هذه الأسئلة مفتوحة، تنتظر ما ستكشف عنه مقبل الأيام. لكن المؤكد أن الخلفية التاريخية للانقسام بين “أولاد البحر” و”أولاد الغرب” لا تزال حاضرة بقوة في المشهد السوداني، وأن أية تغييرات في بنية الجيش أو القيادة يجب قراءتها في ضوء هذا الصراع التاريخي على السلطة والموارد، خشية أن يكون السودان مقبلًا على فصول جديدة من التقسيم والتشظي.