مقالات

في حضرة سلطان العشاق؟!

الجميل الفاضل 

هنا غامضٌ يستدرج المعنى ليتّضح السبيل؛ يقفز إلى أذهاننا، يناطح عادية الأشياء فيها، قبل أن يقول، بعكس قوانين الطفو، وتفاحة الجاذبية:

“دنيا لا يملكها من يملكها،

أغنى أهليها سادتها الفقراء،

الخاسر من لم يأخذ منها

ما تعطيه على استحياء،

والغافل من ظنّ الأشياء

هي الأشياء”.

إنها عبوةٌ وقعُها ثقيلٌ جدًا على النفس، رمى بها “الفيتوري” على وجوهنا بكل بساطة، وكأنها مسلّمات بديهية لا تقبل نقاشًا.

بيد أن الفيتوري لم يكتفِ بدهشتنا الأولى، بل مضى لا يلوي على شيء، إلى عكس عقارب ساعاتنا الداخلية تمامًا، قائلًا بثقة ويقين: إن الموتى ليسوا هم هاتيك الموتى، وإن الراحة ليست هاتيك الراحة؛ قبل أن يحدثنا عن ميتٍ يحمل جثته، ويهرول حيث يموت، جازمًا بأن الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان.

لكنّه… أيُّ نوعٍ من الإنسان هذا الذي يتحدّانا بقوله:

“لن تبصرنا بمآقٍ غير مآقينا

لن تعرفنا

ما لم نجذبك فتعرفنا وتكاشفنا

أدنى ما فينا قد يعلونا

يا قوت

فكن الأدنى

تكن الأعلى فينا”.

من عالمه هذا الخاص، يصور لنا الفيتوري حالة هذا النوع من الإنسان، فيقول بإسمه:

“في حضرة من أهوى شحبت روحي،

صارت شفقًا،

شعّت غيمًا وسنًا،

كالدرويش المتعلّق في قدمي مولاه أنا،

أتمرّغ في شجني،

أتوهّج في بدني،

غيري أعمى مهما أصغى

لن يُبصرني”.

وإلى أن يصوّر لنا طورًا آخر من أطوار هذا النوع من الحضرات الخاصة، بوصف بديع، قائلًا:

“في حضرة من أهوى

عبثت بي الأشواق،

حدّقتُ بلا وجه،

ورقصتُ بلا ساق،

وزحمتُ براياتي وطبولي الآفاق،

عشقي يفنى عشقي،

وفنائي استغراق،

مملوكك… لكني

سلطان العشاق.”

وبعد.. فمن يجرؤ على التحديق في وجه هذا الضياء؟ إن الفيتوري إذ يغلق الباب خلفه، هامسًا في روع كل سالك: إنك لن تلج هذا الوادي المقدس، إلا حافيًا، حاسر الرأس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع