ليس مؤلما أن تعتذر منصة صحفية عن نشر مقال بسبب ضائقة مالية أو أزمة تقنية، فهذه ظروف يعرفها كل العاملين في المهنة.
المؤلم حقا أن يتحول هذا الاعتذار إلى ستار يخفي وراءه الانتقائية والشللية والأهواء الشخصية، بينما تستمر المنصة نفسها في النشر بصورة طبيعية، وتعيد تدوير مقالات وصور منشورة في أماكن أخرى من دون الإشارة إلى مصادرها الأصلية.
هنا لا تعود القضية قضية كاتب أو مقال، بل تصبح سؤالا أكبر يتعلق بمستقبل الإعلام السوداني الذي خرج من رحم ثورة رفعت شعار “حرية، سلام، وعدالة”.
فأي حرية تلك التي تسمح بالنشر لمن يدورون داخل الحلقة المغلقة، وتقصي كل صوت مختلف؟ وأي عدالة تجعل العلاقة الشخصية معيارا للتحرير، بينما تتراجع المهنية إلى الصفوف الخلفية؟ وأي تغيير يتحقق إذا كانت المنصات التي نشأت لمقاومة الإقصاء تعيد إنتاجه بأدوات جديدة؟
الأكثر إثارة للدهشة أن بعض الخطابات التبريرية تكشف أزمة معرفية لا تقل خطورة عن الأزمة المهنية.
إذ يجري التعامل مع محرك البحث “غوغل” وكأنه مصدر للمقالات، وكأن ظهور مادة في نتائج البحث يمنح أي منصة حق إعادة نشرها من دون نسبها إلى صاحبها أو إلى الجهة التي نشرتها أول مرة.
هذه ليست مجرد هفوة تقنية، بل خلط بين الفهرسة والملكية الفكرية، وبين الوصول إلى المحتوى وامتلاك حق استخدامه.
إن المؤسسات الإعلامية التي تستند إلى إرث ثورة دفع السودانيون ثمنها من دماء الشهداء والكنداكات مطالبة بأن تكون أكثر التزاما بالشفافية لا أقل، وأكثر انحيازا للمهنية لا للشللية، وأكثر احتراما لحق الاختلاف لا لمزاج الأشخاص.
فالصحافة لا تفقد قيمتها عندما تختلف مع كاتب، وإنما تفقدها عندما تخفي أسباب الإقصاء، وتستبدل المعايير المهنية بالمواقف الشخصية، ثم تغلف ذلك كله بشعارات الثورة.
الثورات لا تنهزم فقط أمام الدبابات، بل تنهزم أيضا عندما تتحول قيمها إلى لافتات، وتصبح حرية التعبير امتيازا يمنح للمقربين، لا حقا مكفولا للجميع.
ولهذا، فإن أزمة بعض المنصات السودانية ليست أزمة تمويل، وإنما أزمة ثقة، وأزمة مهنية، وأزمة إدراك أن الإعلام الحر لا يقاس بعدد الشعارات التي يرفعها، بل بقدرته على نشر الرأي المختلف، واحترام حقوق الآخرين، والاعتراف بمصادرهم، والانتصار للحقيقة حتى عندما لا تخدم أصدقاءه.