مؤسف جداً أن تتراكم الشواهد والأدلة على إنهيار الدولة وتاكلها وإضمحلالها، وأن تتواتر الدلالات التي تقود إلى نتيجة واحدة، هي أن مشروع الحركة الإسلامية المجرمة، نجح في تدمير بنية الدولة السودانية، من أجل تمكين الدولة الموازية التي بناها، وإستخدام مؤسسات الدولة كغطاء للنهب والإستبداد وقهر المواطنين، في إطار حملة تضليلية واسعة، تبرر حتى إستخدام القضاء والمؤسسات العدلية لحماية التمكين.
ومن ذلك ما حدث للدكتور أحمد شفا، الذي حاكمته محكمة دنقلا بعامين سجن، إرضاءاً لمليشيا البراء بن مالك الذراع الباطش لتلك الحركة الإرهابية، التي كانت إحدى كتائب الظل، وخرجت للعلن بعد أن تم إشعال هذه الحرب المدمرة بهدف إستعادة كامل السيطرة على مؤسسات الدولة وتهديم دولة شبه المدنية التي خدمت غرض إحتواء الثورة.
والإدانة والعقوبة جاءت بعد وقف الإجراءات تحت ضغط شعبي، بجريمة مفتعلة ركبتها المليشيا بناءا على حديث خاص في صيدلية الدكتور رامي لوقف الحرب إستفزها!! ويضاف إلى هذا الحدث، ما رشح من أن رئيس القضاء غير الشرعي المعين من سلطة الأمر الواقع ، قد تدخل دون صلاحيات لبعث نقابة التزوير التي حلتها لجنة تفكيك وإزالة التمكين وفرضها على المحامين بإعتماد البطاقات التي تصدرها برغم عدم شرعيتها، وتمنع القضاة في البداية من تصريح الطعن في مواجهته الذي تقدمت به لجنة تسيير النقابة التي قدمت مع ثورة ديسمبر المجيدة، وغيابه عن الجلسة المحددة لنظر الطعن لاحقا وإرسال شخص موصوف بمفوض القضائية، في إهدار واضح للمساواة أمام القانون والإمتثال لسيادة حكمه إن صحت التسريبات.
يظاهر ذلك ما حدث لأحد المحامين في أم درمان الذي أغلق القاضي المحكمة عليه وإستدعى اثنين من العساكر لضربه، لمجرد إحتجاجه على سلوك القاضي الذي لم يقم بواجبه المهني وترك المتقاضين ينتظرون دعاواهم من الصباح الباكر وحتى قرب نهاية الدوام، ليمارس شؤونه الخاصة داخل قاعة المحكمة. وهذا كله يوكّد الموت السريري للقضاء، ويوضح إلى أي مدى يتم توظيف الهيئة القضائية التي لا تعمل في كامل أراضي البلاد وينحسر إختصاصها لمناطق سيطرة السلطة غير الشرعية فقط، لمصلحة هذه السلطة بصورة فجة، تعكس مصالح الحركة الإسلامية وتحافظ عليها بصورة فجة وغير مقبولة. فالمعلوم هو أن مليشيا الجنجويد الإرهابية، قد عيّنت لنفسها سلطة قضائية تابعة لها في مناطق سيطرتها، قام رئيس قضائها غير الشرعي أيضا بإصدار منشور قبل فترة وجيزة، يعلن فيه إحتكار السلطة القضائية وعدم شرعية أي محاكم موازية وبطلان أحكامها، مما يؤكد وجود قضاء مواز لقضائه الموازي لقضائية سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، ويحتم القول بأن جميع هذه الشواهد تؤكد إنهيار مرفق القضاء، توطئة لإندثار سلطة تصريف شؤون العدالة، وغياب أحد السلطات الثلاث التي تشكل الدولة، مع غياب السلطة التشريعية المغتصبة من قبل الإنقلابي المزمن دون وجه حق.
أما السلطة التنفيذية غير الشرعية سليلة الإنقلاب الثاني والحرب الماثلة اللعينة الناشئة بهدف إستعادة السيطرة الكاملة وتكريس تمكين الحركة الإسلامية المجرمة، فحالها ليس بأفضل من السلطتين الأخرين.
فهي فاشلة في فرض سلطتها غير الشرعية على كامل تراب البلاد، وتحكم بإسم مؤسسة الجيش المختطفة بقيادة غير شرعية، وتفشل فشلا ذريعا في إستعادة الولايات المسيطر عليها من قبل الجنجويد، برغم شرعنتها للمليشيات، وتفرط في سيادة البلاد بسماحها للحكومة المصرية بقصف المعدنين الأهليين بالطيران داخل حدود البلاد، ومن ثم تتهم المجني عليهم بإجتياز الحدود الدولية دفاعا عن تلك الإنتهاكات وتزعم بأنها تحقق بعد هذه الإدانة، وتردف ذلك بحملة إعتقالات لمناضلي ترس الشمال الذين يقفون سدا منيعا في وجه نهب موارد السودان المنهك وتصديرها دون الاستفادة من عائدها، في تأكيد واضح لحماية مصالح أجنبية على حساب سيادة البلاد وحقها في السيطرة على مواردها، ودلالة على أن ما تم من قصف هو لطرد المعدنين الأهليين للسيطرة على مربعات التعدين وتمكين المعتدين منها حتما بشراكة من طفيلييي الحركة الإسلامية المجرمة وواجهاتها. والتفريط في سيادة الدولة لم يقتصر على تبرير ما تم من قصف، بل يمتد في الداخل في خصخصة النشاطات السيادية الحساسة، بمنح السيطرة الكاملة على معلومات القطاع المالي للدولة، لشركة ناشئة غير معروفة ودون عطاء ومنافسة، تحت دعاوى التحول الرقمي، لتصبح متحكمة في معلومات حساسة جدا يديرها الآن بنك السودان عبر شركة مملوكة للدولة. ولولا الحملة الشعبية الواسعة التي فضحت هذه الجريمة المالية، التي ساعدها صراع مراكز القوى داخل السلطة غير الشرعية نفسها، لكانت المعلومات المصرفية والسياسة المصرفية كلها في يد شركة لها إرتباطاتها بدولة إقليمية مسيطرة بالأساس على المعاملات المصرفية للأفراد عبر تطبيق بنكك الشهير. فتجميد هذا القرار لا يعني نهاية المشكلة، وغياب التحقيق الشفاف وتقديم المسؤولين عن هذه المخالفة الجسيمة للمحاكمة العادلة، يؤكد إنهيار القطاع المالي للدولة الذي سبقه القطاع المصرفي فئ الإنهيار.
فوق ذلك وبالإضافة إليه، تأتي الشكوى المريرة للمواطنين، من تفلت مليشيا المشتركة وأفرادها الذين يتبعون لحركات إرتزاق دارفور الشريكة في السلطة. ففي توثيق بالصوت والصورة في وسائط التواصل الإجتماعي، وجه سائقو الدفارات التي تنقل البضائع في طريق شريان الشمال، نداءا للسلطة غير الشرعية وشكوى على الهواء ضد منسوبي هذه المليشيا المرتكزين في الطريق، الذين يمارسون النهب علنا ويسرقون حتى أجهزة الموبايل ناهيك عن البضائع المنقولة ولا حياة لمن تنادي.
كذلك تتواتر الشكاوى من المواطنين داخل أم درمان نفسها من جرائم هذه المليشيا، التي تقوم بضرب المواطنين، وحلق شعر احدهم عنوة بعد ضربه وسحله لأقرب حلاق وتصويره، وعدم قبول الشرطة للبلاغات التي يتقدم بها المواطنون ضد أفراد هذه المليشيا ومطالبتهم بحل الأمر وديا، وتحدي أفراد هذه المليشيا لمؤسسات فرض القانون بقوة السلاح في أكثر من مكان.
وهذا يؤكد غياب اجهزة الدولة المسؤولة من توفير الأمن للمواطن، الذي هو أخص واجبات السلطة تجاه المواطنين.
فالسلطة غير الشرعية لم تكتف بتغييب الخدمات وحرمان المواطن غير المدعوم من العلاج بتغييب مجانيته، وحجب التعليم عن المواطنين في مناطق سيطرة المليشيا، وبيعه للمواطنين في المناطق التي تسيطر عليها، كما لم تكتف بهروب جيشها المختطف وتركه المواطنين تحت رحمة مليشيا الجنجويد الإرهابية بصورة مضطردة، ومن ثم العودة لاحقا لمحاكمتهم بتهمة التعاون مع هذه المليشيا الإرهابية عند إستعادة بعض الأماكن، بل تمادت واعطت مليشيات الإرتزاق التي باعت مواطني الهامش وغدرت بثورة ديسمبر التي سمحت بمشاركتها في السلطة، حصانة لا تستحقها ورفعت منسوبيها من المجرمين فوق القانون.
ولعل ما تقدم يعطينا الحق في نسأل أين هي الدولة؟ تحت اي قناع تختفي وسلطتها التشريعية مغتصبة من قبل إنقلابي مزمن، وقضائيتها حالها يغني عن سؤالها وغياب إستقلالها وسلوك قضاتها يبكي العدو قبل الصديق، وسلطتها التنفيذية تواصل العجز المزمن عن القيام بواجباتها مع مواصلة التنمر على المواطن والتوسع في الجبايات.
والإجابة هي أن شواهد انهيار الدولة تتراكم كل يوم، وأن ما هو موجود من سلطة أمر واقع غير شرعية، تعمل بجد على اندثار هذه الدولة، التي استبدلتها الحركة الإسلامية المجرمة بدولتها الموازية، مما يحتم العمل بجد لإستكمال الجبهة القاعدية الجماهيرية، لاستلام السلطة وكنس واجهات الحركة الإسلامية المجرمة وتفكيك دولتها الموازية، لبناء دولة لكل المواطنين.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله !!!