تبادلت مواقع أجنبية وعربية نشر ما أسمته بـ”الوثيقة السرية”، التي تحمل خطابًا من مدير مكتب رئيس مجلس السيادة إلى بعض المسؤولين النافذين، يطلب منهم العمل على إعداد الخطة السياسية الاستراتيجية للمرحلة القادمة وفق موجهات حددها.
ويمكن إجمال نقاط الخطة في سلطة عسكرية يرأسها البرهان، وحكومة تكنوقراط تستمر خمس سنوات، يعقبها إجراء انتخابات عامة. وفي الوثيقة إشارات إلى التنسيق مع بعض القوى الإقليمية التي يبدو أنها تقف وراء الخطة.. أو أمامها.
ربما لم يُتَح لنا أن نطلع على الوثيقة من قبل، وربما اطلع عليها البعض، وربما كان هذا الخطاب موجودًا حقًا، أو أنه غير موجود.
ليس هذا هو الأمر المهم. ما يهم حقًا أن النقاط الواردة في التقارير التي نشرتها الصحف والمواقع صارت معروفة ومكشوفة منذ فترة، وقد كتبنا عنها في هذه الصحيفة، وفي هذه الزاوية، “العدد (59) الصادر يوم الخميس 25 يونيو 2025″، وقلنا إن دولة شقيقة تعمل على رعاية فكرة قيادة البرهان لمرحلة جديدة عبر توفير غطاء مدني له، بحيث يخلع بدلته العسكرية ويأتي بزي مدني.
ولم ننفرد بهذا الأمر، فقد تناولته الأسافير بصور مختلفة، وكشف بعضها عن لقاءات تتم من خلف الستار، لكن لا شيء في السودان يبقى طويلًا خلف الستار أو طيَّ الكتمان.
الفكرة كلها تُهوِّم في فضاء بعيد، وتبدو وكأنها مجتزأة من فيلم خيالي. تعيش بلادنا حالة حرب مدمرة، وتتقاسم حكومتان، تفتقدان الشرعية، السيطرة على أجزاء من البلاد، وهناك ملايين اللاجئين والنازحين داخل السودان وفي دول الجوار.. وغير الجوار. والاقتصاد منهار، والخدمات الأساسية متعثرة، والحالة المعيشية تضيِّق الخناق على المواطنين، أما الحالة الأمنية فحدِّث ولا حرج؛ ودونك الحروب الصغيرة في مدينة الدبة، وفي شرق السودان، والعصابات المسلحة على طريق شريان الشمال.
لا تخاطب الخطة المزعومة هذه القضايا، ولا تطرح تصورًا لوقف الحرب وإحلال السلام، ولا تتحدث عن كيفية قفل الطريق أمام تقسيم السودان، ولا عن سبل التعامل مع عشرات المليشيات المسلحة التي تعيث فسادًا في أرض السودان.
لا علاقة للخطة بهذا كله؛ فهي مصممة لتخاطب أحلام الجنرال.. وأهواء ومخططات بعض الدول. ولا يقف مصممو الخطة ليجيبوا عن سؤال بسيط وصغير: أليس البرهان هو من يحتل مقعد الرئيس منذ سبع سنوات؟ ماذا جنينا من حكمه غير الانقلاب والحرب والدمار؟ وما الجديد الذي سيفعله لنا ولبلادنا، ولم يكن قادرًا على فعله من قبل؟.
لقد جاءت به ثورة شعبية، وقبلت بمشاركته هو وعسكره في السلطة، وفتحت أمامه أبواب اعتراف العالم وتعاونه، وحملته تطلعات الجماهير وأمانيها، فغدر بها وبالبلاد، وأدخلها في دوامة الحرب والدمار. والآن يُطلب من الشعب السوداني أن يقبل به حاكمًا لخمس سنوات أخرى، دون أن يقول كيف سيوقف الحرب التي أشعلها هو وحميدتي، فحرقت البلاد والعباد.
إذا كان الذين أعدوا هذه الخطة من المجانين أو الواهمين، فإن الشعب الذي اكتوى بالنار لن يشاركهم هذا الوهم ولا هذا الجنون. وغاية ما يفهمه الناس من تفاصيل هذه الخطة أن الرجل قد وصل إلى مرحلة “الترامبية”، وهي موضة انتشرت في العالم، عمادها الوهم، والخيال القاصر، وبعض الجنون. والمطلوب الآن رد فعل شعبي قوي ينهي هذه الحالة، ويفتح الباب أمام حلول حقيقية للمشكلات التي نواجهها، وفي مقدمتها الحرب.