مقالات

وهل يعود السودان غُدّةَ حُبٍّ كما كان؟!

الجميل الفاضل

للسودانيين مع سيد الخلق حكايةٌ لا تُقرأ كلُّها في الكتب.

شيءٌ من طارٍ بعيد، وشهقةِ مدّاح، وعرقِ كادحٍ بالنهار، يبلّل ريقه بشيءٍ من الصلاة على «النبي» في آخر الليل.

ثم دفقٌ من الحب يسري في جوانحهم، يجري مجرى الدم في العروق.

لذلك كانت «طيبة» عندهم أكبرَ من مكان، كما جاء وصفُها على لسان شاعرهم محمد المكي إبراهيم، قائلًا:

مدينتُك الحديقةُ يا رسولَ الله

كلُّ حدائقِ الدنيا أقلُّ وسامةً وحضورْ

هنالك للهواءِ أريجُه النبويّ

موصولًا بأنفاسِ السماءِ وكأسِها الكافورْ.

وكان لآل البيت سرٌّ في الوجدان السوداني، يفتح بابًا إلى وصلٍ بعيد.

ثم جاء زمنٌ كثر فيه الكلام، وقلّت فيه الأبواب؛ تشظّت الخرائط، وتنازعت الرايات، حتى بلغت القلوبُ الحناجرَ أو كادت، فصار الوطنُ نفسُه كأنّه يبحث له عن وطن.

ثم جاءت الحرب، فأخرجت من تحت الرماد ما كان مختبئًا في الإنسان: السيف، والنار، والثأر، والخوف، والكُرهُ، والوحشة.

حتى أصبح سؤالُ اليوم ليس: كيف تنتهي الحرب؟ لكن: ماذا سنفعل بسودانٍ بائسٍ كهذا، بعد أن تنتهي هذه الحرب؟

صحيحٌ أن الحرب قد تسكت ذات يوم، لكنها لا تنام وحدها؛ فقد تترك وراءها بيتًا بلا أهل، وقبرًا بلا زائر، وطريقًا بلا عائد، وقلبًا يتلفّت حائرًا، يبحث عن صوته وصورته المُضاعة.

وهنا، في هذه اللحظة، ربما يعود الحب القديم؛ لا كذكرى، ولا كنشيدٍ يُقال فوق الخراب، وإنما كيدٍ تمتدُّ إلى ما وراء هذا الخراب.

المهم أن ما بعد الحرب ليس زمنَ المنتصرين أو زمنَ المنكسرين، وإنما هو زمنُ المتحابّين في الله، الذين سيُسأل عنهم خالقهم يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلّهم في ظلّي، يوم لا ظلّ إلا ظلّي»، أولئك الذين وصفهم سبحانه وتعالى بقوله: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء».

على أية حال، فإن أهل السودان قد قالوها كذلك من قبل، في جملة تبدو قصيرة، لكنها عميقة وقاطعة، تحوي سرَّ هذا الحقل الواسع:

«الما عندو محبة، ما عندو الحَبّة».

لذلك، عندما يجيء يومُ ما بعد الحرب، لن يكون كافيًا أن تُعاد الخرائط، ولا أن تُرمَّم الجدران؛ بل لا بد أن يعود الإنسان؛ أن يعود ذلك الغريب الغائب ليجد مكانه الشاغر في الصدور، وأن يعود النازح فلا يجد في عيون أهله سؤالًا عن الجهة التي جاء منها، وأن يعود البيت ولا تعود معه الحرب، وأن يعود الجارُ جارًا، والاختلافُ اختلافًا، والوطنُ وطنًا.

المهم، لعل السودان، بعد كل هذا الاحتراق، سيكون مدعوًّا بقوة لأن يعود كما كان: غُدّةَ حُبٍّ.

غُدّةٌ لا تُكنّ الحبَّ في الصدور، وإنما تفرزه إنزيمًا تغذي به الحياة كلها: رغيفًا لجائع، وماءً لعطشان، وعفوًا حين تقدر اليد، وسترًا حين ينكشف ظهر الإنسانية وينكشف وجه العالم.

وللحقيقة، فالمحبة التي لا تمشي على قدمين وإلى كل الناس تصبح ناقصة.

وفي وقتٍ ليس ببعيد، رغم أنف مروّجي خطاب الكراهية هذا المستشري، سيعود معيارًا للدين وللحياة قول المصطفي عليه السلام: «لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وهنا تلوح أنوار نبينا التي رواها جابر بن عبد الله في حديثٍ مثير للاختلاف والجدل، يعيدنا إلى بداية الخلق، بقوله: سألت النبي (ص) عن أول شيء خلقه الله، فقال: «هو نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق فيه كل خير، ثم خلق بعده كل شيء، وحين خلقه أقامه في مقام القرب اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أقسام: فخلق العرش من قسم، والكرسي من قسم، وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر ألف سنة».

وهنا مربط الفرس في السودان، الذي هو قبسٌ من هذا القسم الرابع من النور المحمدي.

ولهذا ربما قال من قال: إن حب السودان من حب الله.

فمثل هذا النور لا يعود بالضرورة ليُزيّن ما كان، وإنما ليكشف ما ينبغي أن يكون.

هو نورٌ يمرّ من القلب إلى البيت، ومن البيت إلى الطريق، ومن الطريق إلى الوطن، ومن الوطن إلى العالم بأسره.

حتى يصير ما بعد الحرب ليس مجرد إعادة إعمار، وإنما إعادةَ خلقٍ للعلاقة بين الإنسان والإنسان.

إذ ربما كان السودان يبحث طوال هذه الحرب عن بابٍ لخروجٍ آمن.

ولكن باب خروجه هو باب مدرسة تفتح في الشارع، وشارع يفتح في القلب، لتصبح كل قلوب أهله مساكنَ شعبيةً يعمرها ذلك الحب الذي عرفته القرى قبل أن تعرف الخرائط، وحفظته القلوب قبل أن تحفظ الشعارات.

فإذا عاد هذا الحب عاد الإنسان، وإذا عاد الإنسان حلق فوقه الحمام، وإذا حلق الحمام صار السلام في هذا الكون واقعًا، وإذا صار السلام واقعًا تراجع السلاح إلى الوراء، وعاد العسكر إلى ثكناتهم، والمدن إلى أهلها، والنيل إلى مجراه.

وعندها فقط لن يكون السودان قد خرج من حربٍ؛ لكنه سيكون قد عاد إلى «مقام الحب»، ليمارس دوره كمركزٍ لدائرة الوجود في هذا الكون العريض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع