في مهرجان دمشق الدولي الأول للشعر العربي، وقف رجلٌ في ثوب أغبادا مطرَّز واسع الأكمام، وعلى رأسه قبعة نيجيرية لا تخطئها العين. ثم فتح فمه، فجاءت العربية من غرب إفريقيا فصيحةً كأنها خرجت لتوّها من مجلس في دمشق أو بغداد. كان ذلك الظهور المميّز كافيًا ليلفت ناصر المالكي الأنظار، حتى وصفه تقرير عن المهرجان بأنه من الذين أضفوا على التظاهرة بعدًا دوليًا، ونوّه بفصاحة مشاركته. ولم يقف الحضور عند حدود الإعجاب، بل حظي المالكي بتكريم رسمي رفيع من وزير الثقافة السوري، الذي قلّده درعًا تقديريًا يرسّخ دور العلماء والشعراء النيجيريين في الحفاظ على لغة الضاد ونشرها دوليًا.
غير أن الثوب هنا ليس زينة عابرة. فهو يحمل جغرافيا إفريقيا على جسد الشاعر، بألوانه الزاهية وتطريزه اليدوي الذي يحكي هوية بلاده وتراثها، بينما يحمل لسانه روح الضاد. وحين يلقي “ما أجمل الغزل في ليلى بنت عدنان”، وهي التي عُرفت اختصارًا بـ”بنت عدنان”، يذوب الفاصل بين الثوب واللسان، فيشهدان معًا بأن العربية لا تسكن بلدًا بعينه. ولهذا تتسع دائرة حضور الشاعر النيجيري في المشهد الشعري العربي، مع تداول مقاطع من إلقاءاته الشعرية على منصّات التواصل الاجتماعي، ومنها مقطع احتفى فيه بدمشق شعرًا.
ولفهم هذا الصوت، يلزم أن نعود إلى كنّو، حيث وُلد عام 1997 ونشأ في حارة كبر. وهناك لم يكن ناصر يدرس اللغة فحسب، بل ينحدر من عائلة علمية وقامات إسلامية رفيعة في شمال نيجيريا؛ فهو ابن العالم الراحل مالام عليو القواص، وحفيد العلامة الشهير والزعيم الروحي الشيخ محمد الناصر كبر. وفي هذه البيئة المضمّخة بحب العربية، حفظ القرآن في العاشرة، ولازمته الكتابة ومحاولات النظم منذ الطفولة، قبل أن ينال الليسانس في التربية والدراسات الإسلامية من جامعة يوسف ميتما سلي عام 2019.

ومن هذه البيئة نفسها تبلورت تجربته الشعرية، وخرجت موضوعاتها الوطنية والاجتماعية والإنسانية، ومنها قصيدته (نيجيريا في مأتم الستين) التي عالج فيها الواقع النيجيري بلغة فصيحة، وتناولتها أبحاث نيجيرية بالدرس.
ثم لم يبقَ الصوت أسير كنّو. فقد عبر إلى منابر عربية أخرى، منها “مجلة العلماء الأفارقة” التابعة لمؤسّسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي نشرت له “من مؤتمر الله” وقدّمته شاعرًا من جمهورية نيجيريا. لكن شهرته الأوسع جاءت مع برنامج “أمير الشعراء”، فاتسعت بعده حلقة جمهوره، ولُقّب بـ”المعجزة الأدبية” لإتقانه اللغة وفنون القريض ونبرته الدقيقة. ولم تقف الشهرة عند التصفيق، فهو اليوم يرأس نادي نيجيريا الأدبي.
وجاء التتويج في أغسطس الماضي، حين فاز بجائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في دورتها العشرين، عن ديوانه (كأنّني هو)، وقيمتها 20 ألف دولار، وهو المجموعة الشعرية الخامسة في مسيرة هذا الشاب المتدفّق بالعطاء الأدبي. ولا يقل عن الفوز دلالةً حجمُ المنافسة، إذ تلقت الدورة نحو 564 مشاركة في فروعها المختلفة.
وهكذا تتصل الحلقات كلها.. من كنّو التي أنبتت الحرف، إلى منابر عربية أصغت إليه، وبينهما شاعرٌ إفريقي يكتب بالفصحى وينطلق من بيئة ذات امتداد علمي عربي وإسلامي. وقد انتقل بتجربته من نطاقها المحلي إلى فضاء أرحب من المنابر والمهرجانات، حاملًا العربية إلى منصّات الشعر، وحاملًا معها ثوبه وقبعته وكنّو كلها.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع