تقارير

الأمطار تشل حركه الشوارع في أم درمان والمواطنون بين المعاناة والصبر

أم درمان - مشاوير: منهل موسي 

لم تكن أمطار هذا الموسم في أمدرمان مختلفة كثيراً عن سابقاتها، لكنها هذه المرة حملت معها وجهاً آخر للمعاناة. فالشوارع التي عادة ما تضج بالحركة والحياة، تحولت إلى مساحات راكدة تغمرها المياه، والناس صاروا يمشون على حواف الطرق أو يخوضون وسط الطين بحثاً عن منفذ يوصلهم إلى أعمالهم أو أسواقهم.

الحركة في المدينة لم تعد سهلة؛ فالمركبات العامة امتنعت عن دخول الأحياء الغارقة، والطلاب وجدوا أنفسهم محاصرين داخل منازلهم. بعض الأسر اضطرت لتأجيل مشاويرها الضرورية، وأخرى ابتكرت حلولاً بدائية لعبور الطرق الموحلة، بينما ظل كبار السن يراقبون المشهد من أمام منازلهم، عاجزين عن الحركة وسط تلك “البحيرات الصغيرة”.

لكن ما يزيد المشهد قتامة ليس فقط صعوبة التنقل، بل ما خلّفته الأمطار من آثار صحية وبيئية مقلقة. فقد تحولت البرك الراكدة إلى بيئة مثالية لتوالد البعوض والحشرات الناقلة للأمراض، ومع غياب حملات الرش وضعف الخدمات الطبية، باتت المخاوف من موجة جديدة من الملاريا والإسهالات حديث كل بيت. في بعض الأحياء الطرفية يكفي أن تمضي دقائق عند المغيب لتشهد أسراب البعوض تحاصر النوافذ والأبواب، فيما يحاول الناس اتقاء لسعاتها بما تيسر من وسائل بدائية.

أمدرمان التي عُرفت دائماً بأنها قلب نابض للحياة السودانية، تظهر اليوم مرهقة تحت وطأة بنية تحتية مهترئة لم تصمد أمام أول اختبار موسمي. المصارف مغلقة بالنفايات، والممرات لم تُفتح في وقتها، والمشهد العام يعكس إهمالاً متراكماً على مدى سنوات. المواطنون باتوا يطرحون سؤالاً مشروعاً: لماذا يتكرر هذا السيناريو عاماً بعد عام دون أن تجد الأزمة حلولاً جذرية؟

رغم كل ذلك، تظل روح المبادرة حاضرة. ففي بعض الأحياء اجتمع الشباب، وحملوا أدوات بسيطة ليشقوا مجاري صغيرة تسمح بتصريف المياه. آخرون جمعوا تبرعات لشراء رمال وحصى لتسوية الطرق. هي محاولات متواضعة، لكنها تكشف عن معدن الناس حين تضيق بهم السبل.

إن معاناة أمدرمان بعد الأمطار ليست مجرد أزمة عابرة، بل مرآة تعكس أوجه القصور في التخطيط العمراني والخدمات الأساسية. وهي أيضاً جرس إنذار بأن الخطر لا يقف عند حدود الحركة والمواصلات، بل يمتد إلى الصحة العامة وحياة الناس اليومية. فما بين الطين والبعوض، يعيش المواطن في المدينة حالة من الصبر والانتظار، على أمل أن يتحول الغيث ذات يوم من نقمة إلى نعمة حقيقية…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى