تقارير

حين يُشترى الطريق : المال بدل القانون في قرارات المرور

الخرطوم - مشاوير: منهل موسي 

لم يعد قرار السماح بمواصلة السير في شوارع أم درمان مسألة قانون أو سلامة عامة، بل في كثير من الأحيان قرارًا ماليًا مغلفًا بشرعية شكلية. هنا يبرز سؤال صادم لكنه واقعي:

هل أصبحت المخالفة تُقاس بالمال لا بالخطر؟

ما يُسمّى بـ“استقلالية المال” في المخالفات المرورية، أي تحصيل الغرامة والسماح الفوري بمواصلة السير، تحوّل من أداة لتسهيل الإجراءات إلى ممارسة تُفرغ القانون من مضمونه فالمخالفة التي تستوجب الإيقاف أو السكات حفاظًا على الأرواح، تُحَل أحيانًا بدفع مبلغ نقدي، وكأن السلامة العامة بند قابل للتفاوض.

الأخطر من ذلك أن هذا الواقع يخلق شعورًا عامًا بأن الطريق مفتوح لمن يملك المال، ومغلق أمام من لا يملكه. السائق الملتزم يُعاقَب بالانتظار، بينما المخالف يشتري حقه في مواصلة السير.

 هنا لا يعود المرور جهة تنظيم، بل سوقًا صغيرة على قارعة الطريق، تُدار فيها القرارات بعملة فورية.

حادث مرور

القانون المروري واضح في فلسفته:

الغرامة ليست ترخيصًا للاستمرار في المخالفة، بل عقوبة تُرافقها إجراءات فنية عند وجود خطر. لكن حين تنفصل السلطة المالية عن السلطة الفنية، وتُمنح الأولى حق الحسم، تضيع المعايير، ويصبح رجل المرور محاصرًا بين التحصيل والواجب.

لا أحد يُنكر حاجة الدولة للإيرادات، ولا أهمية تسهيل حركة السير في مدينة مكتظة مثل أم درمان، لكن تحويل المال إلى مفتاح لمواصلة السير يضرب جوهر العدالة. فالعدالة المرورية لا تُقاس بسرعة التحصيل، بل بقدرتها على منع الحوادث قبل وقوعها.

المطلوب ليس إلغاء الغرامات الفورية، بل ضبطها بلائحة شفافة تُحدِّد بوضوح:

متى يُسمح بمواصلة السير بعد الدفع.

ومتى يكون السكات أو الإيقاف إلزاميًا مهما دُفِع من مال

دون ذلك، ستظل “استقلالية المال” غطاءً للفوضى، وستبقى شوارعنا تدفع الثمن من دماء الأبرياء لا من جيوب المخالفين.

في النهاية، المال يجب أن يخدم القانون، لا أن يحلّ محله. وأي نظام مروري يسمح بشراء الحق العام، يفقد احترامه قبل أن يفقد السيطرة على الطريق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى