منوعات

أحمد شاويش : جرد لغناء مختلف (3/1)

صلاح شعيب

برغم أن بذرة الأغنية السودانية الحديثة التي غرستها، وسقتها، أمدرمان قد تجاوزت المئوية من الأعوام سوى أن المتفردين بنبتة الصوت المفارق قلة.

ومن هنا تأتي أهمية صوت شاويش بهذا التحليق الطروب المتمدد في كل مساحة السلم الموسيقي الذي يناسبه.

ولا غرو أن قالت لي الإعلامية الراحلة ليلى المغربي في حوار عند مستهل التسعينات إن شاويش، والسقيد، يهدهدان الغناء، أي “يشكشكانه” كما طالب أحمد زاهر بلوبلو قائلا: “صوتك ده يا حنان شكشي”، وزاهر الماجد في لحنه، ربما رأى أن لا استقامة لصوت الفنان إلا بتمويجه كيفما اتفق له. ذلك حتى يخرج مجوداً فيحتاز الرضا من السميعة، ويسمو بمناخ التطريب.

ولهذا فإن منزلة هدهدة شاويش لصوته تقترب من نصيحة زاهر ، بل إنه ليتجاوزها بهمهمات، وكرير أحيانا، أحياناً. ولو أن تعليق المغربي إزاء صوت شاويش الذي يعده موسيقيون انطباعياً – كونه لا يمظهر علمياً حقيقة فيزياء صوتي الفنانين الكبيرين، وتعريف كنههما في مدارج المعرفة الأكاديمية – فإن محادثة أجريتها مع الموسيقار الماحي سليمان أكدت لي أن حكم ليلى الانطباعي لم يبن على فراغ.

لكونها عارفة بالصوت، وتمارسه هي ذاتها لتلوين قراءاتها الشعرية، والبرامجية، بذبذبات لا تختلف عن ذبذبات صوت خضر بشير، والتي وصفها بنفسه بأنه يسايسها لتخرج آخر ما عنده، وفقاً لما قال العبدلابي في حوار تلفزيوني مع الراحل حسن عبد الوهاب.

الماحي أشار إلى أن الفنان شاويش تميز بمجال صوتي واسع.

ويعد من الأصوات النادرة، لأنه يجمع بين رنين الباريتون، وقوة الباص.

وأضاف أن له مقدرة في تحريك صوته في جميع المقامات الصوتية الحادة، والمتوسطة، والغليظة.

وأكد بقوله: “إن أداء شاويش يفسر النص الغنائي، وذلك بتحويله إلى مشهد درامي تعبيري، وأحياناً يكون أداؤه هجيناً بين الغناء، والالقاء الدرامي.

إذ ينبس كلاماً عادياً أثناء الغناء”. الموسيقار يوسف الموصلي في نقاشي معه حول شاويش وجدته يتفق مع الماحي، فيقول: هو كان أمام دفعتنا في المعهد.. شاويش فنان مميز جدأ، مرات السودانيون بانطباعيتهم يقولون إنه يشبه عركي.. لا أبداً..

كل واحد بطريقته.. لا يتشابهان في الصوت ولا في الألحان.. في مرات هناك تقاطعات، لكن أحمد شاويش مختلف في ألحانه، وأداؤه لا يشبه أحداً..

قد تكون هناك مناطق تجمعه مع عركي لكن ليست كثيرة، إنه يختار نصوصاً ممتازة، ومسؤول في اختياراته، وهو ليس بتاجر غناء ليختار نصوصاً يضرب بها سوق الغناء.

ويضيف الموصلي بأن الفنان شاويش ذو صوت مقبول ومثلما انتج الحانا كبيرة يستطيع عمل الصغيرة..

أصنفه ضمن نوعية الفنانين الذين يحفرون بأصابعهم ليصلوا للمجد الفني الذي يرومون.. إنه اختار الطريق الصعب، لديه أعمال كثيرة أعجبت بها جداً، بل أحببتها.

وميزته الأخرى أنه في خشبة المسرح يستخدم لغة الجسد للتعامل مع الجمهور بشكل عميق، ويأسر الجمهور، وقد لا يكون استفاد بشكل كبير من الاتصال بالجمهور.

شاويش فنان كبير وملتزم، ومحترم، وقدير، وأكن له الكثير من المحبة”. اتفاق الموسيقارين الكبيرين – الماحي والموصلي – على فرادة صوت شاويش صحبه أيضاً اتفاقهما على جمال ألحانه. فالموسيقار الماحي سليمان يقول إن الحان شاويش تتميز بالبساطة، والمباشرة، وأنها تعطيك إحساساً بطعم فلكلوري شعبي منمق، وشجي.

ذلك لأنه تأثر بتجربة عثمان الشفيع، والملحن محمد عوض الكريم القرشي، حيث أهمية المشاركة في الأداء مع الكورس، وهو ما يسمى بأسلوب الفانتازيا الحرة التي تمطط الميلوديات وتخرج منها أخرى قد تصل لمدى نصف ساعة لو أن الأغنية في أصلها لا تتجاوز السبع دقائق.

الماحي يرى أن “شاويش من الجيل الثاني من فناني الفترة الانتقالية التي سميناها هكذا لوقوعها بين فترتي التقليدية، والحداثة، ذلك لأنه ظهرت أساليب جديدة لحنية، وأدائية، متأثرة بالبوب ميوزيك الذي لا بد أن شاويش وقف عليه، وتأثر به حيث يتحرك صوته بحرية مطلقة ليضيف جملة لم يشملها من قبل.

عموماً شاويش له مقدرة واسعة في إجادة أسلوب الارتجال، والتنويع، والتطريب، وهذا أمر مهم في الحداثة الغنائية الراهنة، ولا ننسى أنه تأثر أيضاً بأسلوب الطمبرة بالحلق في أدائه يتلاعب، ويبرهن، أنه واثق من مقدرته، وكان بارعاً في اختيار النصوص.. شاويش فنان ما وجد حقه المستحق، ومن ناحية لم يكن مهتما بمضاعفة إنتاجه، وكذلك الاهتمام بالورش، لكنه على كل حال يمتلك قدرات إبداعية كبيرة وخاصة”. هكذا ختم د. الماحي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى