منوعات

من (العِقْد) إلى (العَهْد) :هل يكفي الاسم لصناعة مجدٍ فنيٍّ جديد؟

شَمَّتْ محمّد نور.. حين يصبح الإرثُ عبئًا على الإبداع

الدوحة – مشاوير: مجدي علي
لا بدّ أوّلًا من التأكيد أنّ هذا المقال صادرٌ عن محبّة، لا عن رغبةٍ في محاكمةٍ أو تنديد..
محبّةٌ أوّلًا لفرقة (عقد الجلاد)، الفرقة العظيمة التي نحتت اسمها محطةً فنيّةً بارزةً في فضاء الغناء السودانيّ المعاصر؛ لا لمكانتها في التراث الموسيقيّ أو لجماهيريّتها الواسعة فحسب، بل لأنّها تجربةٌ ارتبطت منذ نشأتها بالقيم الفنيّة والمواقف الأخلاقيّة الراسخة، الداعمة للحرّيّة والحياة، والمناهضة للقمع والاستبداد. ولأنّ عقد الجلاد نموذجٌ للغناء الجماعيّ الواعي، الذي يتخيّر النصوص الشعريّة بعناية، ويوازن الألحان بدقّة، حتى غدت خيار أجيالٍ من السميعة، وواحةً للفرح والحبّ والرفض والغضب، وميدانًا لتجربةٍ موسيقيّةٍ متكاملة جمعت بين الجمال الفنّي والانحياز الأخلاقيّ، لتكون صوتًا للمقاومة الثقافيّة وسط بيئةٍ فنيّةٍ غلب عليها التكميم والإسفاف والرقابة.
ثمّ هي محبّةٌ خاصّةٌ لشمّت محمد نور، الإنسان والفنّان، لأنّه ظلّ على الدوام حجر الزاوية في قلب هذه التجربة؛ ليس فقط كمغنٍّ وملحّن، بل كضابطٍ لهارمونيّة الفرقة، وموجّهٍ لمواقفها المبدئيّة، وصانعٍ لنهج التوازن الدقيق بين الأداء المبدع والانحياز الأخلاقيّ. ومكابرٌ من ينكر أنّ شمّت أحد صنّاع الفرقة وبناة مجدها، بما قدّمه من أفكارٍ وألحانٍ وأداءٍ موسيقيٍّ تجاوز القوالب التقليديّة، وأحدث فوارق ونقلاتٍ نوعيّةً في مسيرة عقد الجلاد. وربّما كانت هذه السمات ذاتها، التي لم يستسغها بعض الأطراف داخل الفرقة، سببًا في ترصّدهم له، ومن ثمّ إقصائه؛ ذلك الإقصاء الذي دفعه إلى مغادرة الفرقة، وأسهم لاحقًا في تعميق خلافاتها، وفي تعثّر مسيرتها الفنّيّة والتنظيميّة.
ولأنّ شمّت محمد نور طاقةٌ إبداعيّةٌ عالية لا تعرف الكلل أو السكون، فقد قاده ذلك القلق الخلّاق إلى تأسيس مشروعٍ جديد سمّاه (عهد الجلاد). وقد تيسّر لي متابعة بعض مخرجات هذه التجربة بتأمّلٍ وتعمّق. والحقيقة أنّ الجهد المبذول من شمّت والمشاركين معه جهدٌ مقدّر، غير أنّ اللوحة الفنّيّة التي قدّمتها الفرقة الجديدة ما تزال تبدو مبتسرةً ومحدودة الأفق.
من الطبيعيّ، بل من الحتميّ، أن يبادر الرأيُ والمتابعُ أوّلًا إلى إجراء مقارنةٍ بين غناء (العهد) و(العقد)، وبين صورة شمّت في التجربتين.

فرقة عقد الجلاد

والمؤكّد أنّ هذه المقارنة، في وضعها الراهن، لا تصبّ في مصلحة المشروع الجديد؛ فهي مقارنةٌ بين إرثٍ عظيم راكمته عقد الجلاد عبر عقود، وبين اجتهاداتٍ لم ولن ترقَ بعد إلى مستوى ذلك الإرث. فالشباب الذين قدّمتهم الفرقة الجديدة، وعلى الرغم من طموحهم، لا يملكون ملامح إبداعيّةً مستقلّة، ويبدون – كما نراهم – أقرب إلى مجرّد منفّذين لتصوّرات شمّت وأفكاره وأحلامه. وأحلام شمّت أكبر من هذه الصيغة بكثير. أعطيك دليلًا على ضعف اللوحة: استمع إلى هذه الفرقة على المسرح من دون شمّت!
إنّ المحاكاة الشكليّة، والتقليد الظاهر لطرائق الأداء وتقنيات عقد الجلاد القديمة، لن تصنع فرقةً مختلفة. تجربةٌ مشابهة حاولها الفنّان المؤسّس عثمان النو عندما ابتكر فرقة (راي)، لكنها لم تنجح، ولن تنجح (عهد الجلاد) بالمنهج نفسه؛ لأنّ هذه التجارب ستظلّ مجرّد “ردّات فعل” على إرثٍ سابق، لا فعلًا إبداعيًّا ينبثق من روحٍ جديدةٍ ومستقلّة.
الحقيقة المؤلمة أنّ جمهور عقد الجلاد، الذي عاش معها عقودًا من الولاء والمودّة، بات يدرك الآن أنّ فكرة عقد الجلاد نفسها تمضي نحو الاضمحلال، وأنّ أيّ محاولةٍ لاستدعاء هذا الإرث تحت اسمٍ قريب، أو عبر ألوان قمصانٍ قديمة، لن تعيد العقد كما كانت.
إنّي أرى، فيما أرى، أن يتحرّر شمّت محمد نور من كلّ ذلك الإرث – على جماله – وأن يقدّم لنا فكرةً أو فرقةً أو منتجًا جديدًا بالكامل، بفلسفةٍ مستقلّة وبناءٍ فنّيٍّ مختلف، بعيدًا عن استدعاء الماضي واستنساخ شكله. وأنا على يقين أنّ شمّت قادرٌ على تقديم إبداعٍ حقيقيٍّ وفعلٍ خلّاق يفوق العقد والعهد. فشمّت الإنسان أوسع، وشمّت الفنّان أعظم من أيّ اسمٍ أو عباءة، وطاقته الإبداعيّة لا تحدّها محاكاةٌ ولا تقليد. وهو، بما يملكه من إمكانات أعرفها جيّدًا، مؤهّلٌ لكتابة فصلٍ جديد في الموسيقى السودانيّة المعاصرة، بعد أن يتحرّر من إرث الماضي، ويتحرّك في مساحة الفعل لا ردّ الفعل.
لا خلاف أنّ تجربة (عهد الجلاد) محاولةٌ شجاعة، لكنها ستظلّ محاولةً ضعيفة، لن تقوى سيقانها على أكثر من الحبو في ظلّ إرث عقد الجلاد العظيم دون أن تطاله. وهذا ما يفرض على شمّت، بما نعرفه عنه من علمٍ ومعرفةٍ وإرثٍ موسيقيٍّ و”عناد” فنّيّ، وطاقاتٍ تنظيميّةٍ وإداريّةٍ مقدّرة، أن يبحث عن مسارٍ مختلف، يقدّم من خلاله بصمةً أصيلةً جديدةً في تاريخ الموسيقى السودانيّة؛ مسارٌ لا يستنسخ الماضي، بل ينطلق من عمق تجربته وفطرته الإبداعيّة.
ليت شمّت الفنّان يترك كلّ هذا، ويقدّم لنا فكرةً أو فرقةً مختلفة أو منتجًا جديدًا؛ لا فيه (عقد) ولا (عهد) ولا (جلّاد)، ولا حتّى “طقم” بالأخضر والأسود..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى