منوعات

منعم رحمة الله- حين يصبح «المسدار» سيرة وطن

قراءة في كتاب: مابيور – مسدار الدرجو فصيح

 بكري خضر (*)

ليس من السهل أن يُفاجَأ مصمّم كتبٍ جرّب مئات العناوين السودانية في مختلف ضروب المعرفة، لكن كتاب “مابيور: مسدار الدرجو فصيح” فعلها. ليس لأنه كتاب شعر فحسب، بل لأنه تجربة مركّبة تتقاطع فيها القصيدة مع السرد، والتوثيق مع الصورة، والذاكرة الفردية مع الجرح الجماعي.
الكتاب، الذي يضم نحو 380 صورة مأخوذة من شرائح قديمة، لا يقدّم نفسه وفق تبويب تقليدي. إنه نصّ مفتوح، ينتقل بالقارئ من الشعر إلى النثر، ومن الشهادة الشخصية إلى التوثيق التاريخي، ومن الكلمة إلى الصورة، دون أن يفقد تماسكه أو نبرته.

شاعر خارج القوالب:

لم ألتقِ الشاعر منعم رحمة الله في حياتي، غير أنّ حضوره في هذا العمل طاغٍ. رجلٌ معروف، طويل النجاد، كثير الرماد؛ صفات تُحيل إلى معنى الشجاعة والكرم والصبر، قبل أن تكون توصيفاً شخصياً.
وهي الصفات نفسها التي تتسرّب إلى نصوصه، لا بوصفها ادّعاءً أخلاقياً، بل كخبرة معيشة دفع أثمانها غالية.

من السجن إلى القصيدة:

خلف هذا الكتاب تقف سيرة موجعة: سجن، تعذيب، وحكم بالإعدام. تجربة قاسية لا تُروى مباشرة في النص، لكنها تحضر كظلّ ثقيل، وكبنية شعورية تشكّل عمق المسدار. ولولا لطف الله، ثم التضامن العالمي والإقليمي والمحلي، لكان هذا الصوت قد أُسكت إلى الأبد.
هنا، لا يتحوّل الشعر إلى خطاب شكوى، بل إلى أداة مقاومة رمزية، تستدعي التاريخ والذاكرة، وتعيد مساءلة العنف والسلطة والانتماء.

غلاف الاصدارة

“مابيور” رمز الفقد الجماعي:

يحمل الكتاب عنوان «مابيور»، وهي كلمة من لغة الدينكا تعني “الثور الأبيض”.
وفي حديث هاتفي، قال لي الشاعر، بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالحزن:
(لقد قُتلنا يوم قُتل الثور الأبيض).
ليست الجملة هنا استعارة عابرة، بل مفتاح قراءة. فالثور الأبيض يتحوّل إلى رمز لانكسار العقد الاجتماعي، وللخيانة الأولى، وللفقد الذي يتكرّر، كلما تخلّى الناس عن وحدتهم وقيمهم المشتركة.

مسدار لا يشبه سواه:

هذا المسدار لا يمكن وضعه بسهولة في سلسلة المسادير السودانية المعروفة؛ من الحردلو، إلى محمد طه القدّال، إلى أبي السُرّة لليانكي.
إنه مسدار فصيح اللغة، حداثي البنية، متعدد الوسائط، يستلهم التراث لكنه لا يستسلم له، ويكتب من داخله لا من خارجه.
شهادة شخصية:
لستُ ناقداً أدبياً، لكنني ـ من موقع القارئ والمصمّم ـ أرى أن منعم رحمة الله تجربة قائمة بذاتها، وصوتاً لا يمكن تجاهله في المشهد الثقافي السوداني.
كتاب “مابيور” ليس مجرد ديوان، بل وثيقة شعرية–بصرية، تضع القارئ أمام سؤال مؤلم: كيف نكتب ذاكرتنا؟ وكيف ننجو بالكلمة حين ينهار كل شيء؟

بيانات النشر
الكتاب: مابيور – مسدار الدرجو فصيح
الشاعر: منعم رحمة الله
الطباعة: دار آرام للطباعة والنشر
الناشر: عادل سيد أحمد

 

(*) فنان تشكيلي ومصمم صحف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى